سيدنا ولد السبتي
دبلوماسية رصينة، ولغز الگويرة بين الضباب والسيادة
في رحى صراع مضت عليه عقود، وظل أشد ملفات شمال أفريقيا تعقيدا وتشابكا، تسير موريتانيا على حبل متأجج مشدود بين جمر الجغرافيا وسيف التاريخ، بين ضرورات الأمن القومي ومقتضيات التوازن الإقليمي. إنه نزاع الصحراء، ذلك الملف الذي تتصارع حوله إرادات كبرى، وتتنازعه أطراف فاعلة، في مقدمتها جبهة البوليساريو، والمملكة المغربية، تحت قبة الأمم المتحدة وبعثتها الميدانية "مينورسو"، في مشهد تتداخل فيه خيوط السياسة بمصالح الدول، وتتشابك فيه ذاكرة الماضي بحسابات الحاضر.
من الانخراط إلى الحياد: تحول استراتيجي في لحظة مصيرية
لم تكن موريتانيا وليدة هذا الملف، ولا غريبة عنه، بل كانت طرفا أصيلا فيه، بل أحد أركانه الفاعلة، حين وجدت نفسها عقب انسحاب الاستعمار الإسباني عام 1975، منخرطة في ترتيبات إقليمية لم تخترها، بل فُرِضَت عليها بفعل الجوار والتاريخ. غير أن وعي القيادة الموريتانية المبكر بطبيعة الصراع، واستشعارها لثقل التبعات، دفعها إلى مراجعة جذرية كبرى، كلفتها كثيرا، لكنها أنقذت كيان الدولة من الانهيار.
كان عام 1979 مفصليا بامتياز، حين أعلنت نواكشوط انسحابها الكامل من دائرة الحرب، ووقّعت اتفاق سلام مع البوليساريو، لتتحول من طرف في النزاع إلى وسيط محايد، في خطوة حملت في طياتها شجاعة الاعتراف بالواقع، وبصيرة الحكيم الذي يعرف متى يتراجع، ليس انكسارا، بل تحصينا للذات. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، سلكت الدبلوماسية الموريتانية مسارا مغايرا: لا انحياز لطرف على حساب آخر، ولا قطيعة مع أحد، بل انفتاح متوازن، وحذر محسوب، ورؤية بعيدة المدى.
وهكذا، نبت الحياد الموريتاني من رحم المعاناة، ليتطور إلى ما يمكن تسميته "بالحياد الفاعل"؛ حيث أقامت نواكشوط علاقات دبلوماسية كاملة مع الرباط، وفتحت في الوقت ذاته قنوات تواصل مع قيادات البوليساريو، وشاركت بفاعلية في المسارات الأممية، دون أن تنزلق في مستنقع الاستقطاب الإقليمي الحاد الذي ابتلع آخرين.
نجاحات الدبلوماسية: كسب الثقة وتحصين الحدود بعبقرية الواقعية
نجحت موريتانيا، ولا سيما خلال العقد الأخير، في ترسيخ صورتها كفاعل متزن في الإقليم، وكصوت عقل لا يجرفه مد التصعيد. لم تستدرج إلى خطابات الكراهية، ولم تقحم نفسها في محاور متصارعة، بل جعلت من أمنها القومي بوصلة لا تحيد، ومن استقرار حدودها المترامية أولوية لا تقبل المساومة.
لقد استطاعت نواكشوط أن توازن بدقة متناهية بين شراكاتها الاقتصادية والتجارية المتنامية مع المغرب، وبين جسور التواصل الإنساني والسياسي المفتوحة مع المخيمات الصحراوية. هذا التوازن الدقيق، الذي يشبه المشي على رماد ساخن، أكسبها احتراما دوليا واسعا، ورسخ قناعة راسخة لدى جميع الفاعلين، بأن موريتانيا عنصر استقرار لا بؤرة توتر، وأنها جزء من الحل لا من دائرة الصراع.
بل إن حضورها في المحافل الإقليمية والدولية، ولا سيما في الاتحاد الأفريقي، ظل منحازا بثبات للحلول السلمية تحت رعاية الأمم المتحدة، بعيدا عن الاصطفافات الحادة والمواقف المتشنجة التي تمزق النسيج الإقليمي. وهذا الحضور لم يكن انعزاليا أو سلبيا، بل كان حضور فاعل يراقب، ويقترح، ويحذر، ويبني جسور الثقة مع الجميع.
الگويرة: مدينة في الظل… وسيادة في طي الكتمان
غير أن أكثر النقاط إثارة للأسئلة، وأشدها إحاطة بالضباب، تبقى وضعية مدينة الگويرة الساحلية، الواقعة في أقصى الشمال الموريتاني، على تخوم المنطقة العازلة. هذه المدينة، التي كانت ذات يوم مركزا تجاريا صغيرا إبّان الاستعمار الإسباني، تحولت اليوم إلى لغز محير، وإلى رمز للصمت الرسمي المطبق، ومثار تأويلات متعددة، وتكهنات لا تنتهي.
تقع الگويرة جغرافيا ضمن الحدود الموريتانية المعترف بها دوليا، غير أن محيطها الجيوسياسي المتداخل، وارتباطها العضوي بمناطق النفوذ في الصحراء، وامتزاج ترابها برمال المنطقة العازلة، جعلها منطقة بالغة الحساسية، يتعامل معها بأعلى درجات التحفظ وأقصى درجات السرية. فلا حضور إعلامي يذكر، ولا بيانات رسمية تفصيلية، ولا استثمارات معلنة تعكس موقعها الاستراتيجي المطل على المحيط الأطلسي، وثرواتها الطبيعية المحتملة.
هذا التكتم المحكم لا يعني فراغا سياديا، كما قد يتوهم البعض، بل إن حقيقة السيادة الموريتانية على الگويرة تتجلى في أوضح صورها من خلال السكان أنفسهم، فالمواطنون الذين كانوا يقطنون هذه المدينة، والذين تعود جذورهم إليها، يحملون اليوم الجنسية الموريتانية، ويعيشون في المدن الموريتانية، وينعمون بكامل حقوق المواطنة، حاملين معهم ذاكرة المكان وهويتهم الوطنية الثابتة. إنهم شهود أحياء على أن الگويرة لم تكن يوما أرضا متنازعا عليها في الوجدان الشعبي، بل هي جزء من النسيج الوطني، تربطهم بها أواصر الدم والتاريخ والانتماء.
هذا البعد الإنساني والقانوني يضفي على الموقف الموريتاني شرعية إضافية، ويؤكد أن السيادة على الگويرة ليست مجرد ادعاءات سياسية أو خرائط جامدة، بل هي واقع ملموس يتجسد في حياة الناس وهوياتهم الثابتة. صحيح أن الدولة تتعامل مع الموقع بحذر شديد، بسبب الحساسيات الإقليمية وتعقيدات المنطقة العازلة، لكن ذلك لا ينفي يوما واحدا أن الگويرة أرض موريتانية، يسكنها مواطنون موريتانيون، ويحملون وثائق هوية موريتانية، وينتمون إلى هذا الوطن انتماء لا يقبل التشكيك.
فالگويرة ليست مجرد مدينة نائمة أو مهجورة؛ إنها نقطة تماس حادة بين خرائط النفوذ المتقاطعة، ومفترق طرق خطير للمصالح المتشابكة، وساحة اختبار صامتة لقدرة الدولة على فرض سيادتها دون استفزاز الجيران. وبوجود سكانها الأصليين الذين يحملون الجنسية الموريتانية، تظل الگويرة حاضرة في الضمير الوطني، حتى وإن غابت عن دائرة الضجيج الإعلامي.
بين المبدأ والمصلحة: معادلة دقيقة في زمن التحولات
لقد أدركت موريتانيا بحكمة بالغة، أن أي انحراف طفيف في هذا الملف الشائك، قد يكلفها استقرارا راكمته بشق الأنفس على مدى عقود. لذلك تمسكت بمبدأ الحياد، لكنها لم تتخل عن يقظتها الدائمة، ولم تنم عن حراسة حدودها. فالمعادلة واضحة في العقل الاستراتيجي الموريتاني: دعم المسار الأممي بلا توان، صون السيادة الوطنية بلا تفريط، تجنب الاستفزاز بلا جبن، وتحويل الجغرافيا من عبء يثقل الكاهل إلى فرصة تعزز المكانة.
إن نجاح الدبلوماسية الموريتانية في هذا الملف العسير، لا يقاس بالشعارات الرنانة، ولا بالمواقف الهوجاء، بل بقدرتها الفائقة على تجنيب البلاد أتون صراع مفتوح، وعلى إبقاء قنوات الحوار مشرعة مع الجميع، دون أن تدفع ثمنا باهظا من استقرارها أو سيادتها. أما الگويرة، تلك البقعة الصامتة على الخريطة، فستظل، إلى حين انقشاع الغبار الإقليمي واستقرار المعادلات الدولية، عنوانا لسيادة صامتة، تدار بالعقل لا بالضجيج، وبالحكمة لا بالمغامرة، وبالصبر الاستراتيجي لا بردود الفعل. وسيظل مواطنوها الموريتانيون، أينما حلوا، خير شهود على أن هذه الأرض كانت وستظل جزءا من الوطن الأم.
وهكذا، في زمن الاستقطاب الإقليمي الحاد، واشتعال الصراعات، اختارت موريتانيا أن تكون جسرا لا خندقا، ووسيط توازن لا طرف صدام، وصوت حكمة لا صخب انفعال. إنها معادلة صعبة، بالغة التركيب، شديدة الحساسية، لكنها أثبتت حتى الآن نجاعتها في صون الوطن وتحصين حدوده، وفي تحويل تيارات الصراع العاتية إلى فرص للاستقرار والنماء.
