قال المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية في ورقة بحثية حديثة إن تحولات جوهرية حدثت في هيكلية سوق الصرف الموريتانية، بعد انتقال البنك المركزي من نظام "الصرف المدار مركزيا" إلى آلية أكثر مرونة تعتمد على العرض والطلب (السوق البينية) منذ نهاية عام 2023.
ورصدت الورقة نتائج هذا التحول على مؤشرات التضخم، الاحتياطيات الأجنبية، ومعدلات الفقر.
وحسب التقرير ساهم تقليص التدخل في حماية المخزون من "النزيف السريع"، حيث استقر الاحتياطي عند 1.92 مليار دولار، وهو ما يغطي 6.4 أشهر من الاستيراد (غير الاستخراجية).
وفقاً للأرقام الواردة في الورقة، شهد عام 2024 تراجعاً ملحوظاً في تدخل البنك المركزي في سوق الصرف بنسبة بلغت 49%.
وأوضح التقرير أنه في المقابل، سجلت السوق البينية بين البنوك التجارية نشاطاً كبيراً، حيث نفذت البنوك 80% من إجمالي التداولات التي بلغت 3.2 مليار دولار، بينما اقتصرت حصة البنك المركزي على 20% فقط.
ووفق ذات المصدر حظي هذا الأداء بتقييم إيجابي من صندوق النقد الدولي في أبريل 2025، واصفاً السوق بأنها "تعمل بكفاءة".
وسجلت الورقة نجاحاً في كبح جماح التضخم، الذي انخفض من 6.8% في عام 2023 إلى 2.5% في عام 2024، ليصل في نهاية العام إلى أدنى مستوياته عند 1.6%.
وعزت الورقة هذا الانخفاض إلى استقرار سعر صرف الأوقية وتراجع أسعار الغذاء العالمية.
ولفت المركز في تقريره إلى أنه "ورغم الاستقرار النسبي، فإن المعطيات تشير إلى استقرار سعر الدولار عند مستويات مرتفعة هي الأعلى منذ منتصف 2021، مع استمرار تذبذب اليورو عند مستويات قياسية".
وحذّرت الورقة من حساسية الاقتصاد لتقلبات الصرف، حيث إن 84.9% من الدَّين العام الموريتاني مقوم بالعملات الأجنبية، مما يعني أن أي تراجع في قيمة الأوقية سيزيد من أعباء سداد الديون.
وأشار المركز في ورقته البحثية إلى أن ميزان المعاملات الجارية سجّل عجزاً هيكلياً ارتفع إلى 9.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مقارنة بـ 8.2% في العام السابق، مما يشير إلى أن مرونة الصرف لم تنعكس بعد على تحسين ميزان المدفوعات.
وعلى الصعيد الاجتماعي، كشفت الورقة عن مفارقة تتمثل في عدم انعكاس المؤشرات الماكرو-اقتصادية الإيجابية على معيشة السكان؛ إذ ارتفع معدل الفقر من 26.3% إلى 28.4% في عام 2024.
واعتبرت الدراسة أن هذا الارتفاع يعكس "ضعف أثر النمو" الاقتصادي على الفئات الهشة بالرغم من استقرار القوة الشرائية الناتج عن تراجع التضخم.
وخلُصت الورقة إلى أن نظام الصرف المرن يمنح السياسة النقدية قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية وتحقيق الاستقرار الكلي، لكنه في المقابل يضع العملة الوطنية أمام مخاطر الانخفاض في ظل اقتصاد يعتمد بكثافة على الاستيراد.
