المحظرة جامعة الصحراء...
قال الشاعر :
ونحن ركب من الأشراف منتظم
أجلّ ذ العصر قدرا دون أدنانا
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة
بها نُبيّن دين الله تبيانا
هكذا كانت وستظل الصورة المشرقة للمحاظر ببلاد "المنارة والرباط" ... مكان لطلب العلم، وغرس القيم الفاضلة، ومنبع أصيل ينهل منه طلاب العلوم الشرعية واللغوية، والدرع الحصين للدفاع عن هوية البلاد .
إن مايحاول البعض إلصاقه من صفات سلبية بالمحظرة، وبعض شيوخها الموقرين، جراء تصرفات فردية عنيفة من طرف بعض الأشخاص، الذين كان يجب أن تكون هنالك رقابة مشددة على أمثالهم، ودراسة سلوكهم، ومستواهم المعرفي، قبل ترخيص افتتاح محظرة قرآنية لهم، لاعلاقة له بسمعة المحظرة، وألقها المجيد وعطائها المعرفي المشهود.
لقد كانت المحظرة قديما مدرسة متعددة الاختصاصات، ضمن مايعرف وقتها ب"الدولة" أي كل مجموعة من الطلبة تدرس فنا، ولكن في العقود الأخيرة أصبحت هنالك محاظر متخصصة بعضها للقرآن، وبعضها في علوم اللغة، والبعض الآخر في العلوم الشرعية .
هنالك حقيقة يتجاهلها المجتمع، وينبغي التنبيه عليها، وهي أن المحظرة ليست مكانا للتربية والتنشئة الاجتماعية، بل هي مكان مخصص للدراسة، ويجب أن يأتيه الطالب وهو على قدر كبير من التربية السليمة، اكتسبه من محيط الأسرة التي هي المكان الأول للتربية الصالحة، ولكن الواقع للأسف عكس ذلك، فالكثير من الأسر باتت تعتبر المحاظر خاصة القرآنية المخصصة للأطفال والمراهقين "روضة" تبعث لها أطفالها لتستريح من تربيتهم وعناء حضانتهم وهذا خطأ فادح.
الحضانة مسؤولية الأهل، ويجب أن يربوا أطفالهم ويغرسوا فيهم السلوك الحميد، قبل إرسالهم للمحظرة أيا كانت.
بالمقابل يجب على المشرفين على المحاظر القرآنية التحلي بالرحمة والشفقة مع الطلبة، وعليهم أن يعلموا أن زمن العنف والضرب قد ولّى، وأن الدراسة تحتاج أسلوبا تربويا يجمع بين لين القول وحسن المعاملة وتبسيط الأسلوب .
إن ما سمعنا عنه مؤخرا من حوادث تشيب لهولها الولدان، أحيانا في محظرة مشهورة بعيدة كل البعد عن أساليب الشيوخ الموقرين في التدريس، حيث يتحلون بالوقار ويتعاملون مع الطلبة بكل أريحية ولطافة، ويتوددون لهم، لعلمهم أن المعرفة طريقها السالك هو حلاوة المعشر وحسن الأسلوب ولين القول وتوضيح المشكل .
ختاما : المحظرة هي المدرسة الأولى التي تخرج منها جهابذة العلماء، وفطاحلة الشعراء، وكبار الأدباء بالبلد، وكانت وماتزال هي جدار الدفاع الأول عن الهوية الأصيلة به ... واليوم رغم زحف العولمة مازالت المحظرة تحظى بشيوخ وعلماء ينهل الجميع منهم عذب وزلال المعرفة، ويتخذ سلوكهم قدوة لأنهم يجمعون بين العلم والأخلاق والوقار.
