رمضان بموريتانيا : استعدادات مكثفة ...وأجواء روحانية ــ الجديد نيوز

بعد أيام قليلة يطل علينا شهر رمضان المبارك الذي يحتفي به الموريتانيون صياما وقياما . 

رمضان في موريتانيا فرصة لإعادة ترتيب العلاقات مع الخالق والخلق؛ حيث يحرص الصائمون  على الإكثار من قراءة القرآن، ومضاعفة أعمال الخير؛من صدقات وصلة للأرحام، وكأن المجتمع كله يتحول إلى أسرة واحدة تتقاسم العبادة والفرح بهذا الموسم العظيم.

تحولات كثيرة حدثت في حياة المجتمع الموريتاني وعاداته المتعلقة بشهر رمضان الكريم بالمدن، خاصة مايتعلق بتحول جذري في النمط الغذائي.

استعدادات كثيرة تقوم بها الأسر الموريتانية للشهر الفضيل نستعرض أهمها في التقرير التالي:

 

المؤونة والأواني المنزلية ... أهم الاستعدادات

في مثل هذه الأيام من شهر شعبان عادة تدخل  الأسر الموريتانية في الاستعداد على مستويين : الأول يتعلق بتجديد الأواني المنزلية والأدوات الكهربائية  الخاصة بوجبات الشهر الكريم .

أما الثاني فهو البحث عن المؤونة في زمن ارتفاع الأسعار، وفترة ذروة  الاستهلاك لدى الأسر الموريتانية، وعادة ما تكون فاتورة الاستهلاك مكلفة جدا بسبب غلاء الأسعار وكثرة الأصناف الغذائية المطلوبة .

لقد تغيرت أنماط الغذاء في رمضان كثيرا  لدى الأسر الموريتانية، خاصة سكان المدن والقرى القريبة منها، بسبب التأثر بوسائل الإعلام، التي باتت الموجه الرئيسي لربات البيوت والمعلم الأبرز لفنون الطبخ المنزلي.

 درج الموريتانيون قديما على عدم  التركيز على الناحية الغذائية،  نظرا لطابع البداوة المتأصل، فاكتفوا في رمضان بتمرات ووجبة  عشاء وسحور خفيف مع شرب الشاي و المذق المعروف محليا بـ (الزريق)

 لكن مع تأثر المجتمع بالدفق الإعلامي الناجم عن عصر السماوات المفتوحة، صارت الأسر الموريتانية تتسابق في إعداد أنواع الوجبات الكثيرة والمكلفة في الليلة الواحدة، وأبرزها الحلويات والفواكه التي لم يكن لها أثر في وجبات الفطور الموريتانية القديمة.

فهم خاطئ لمقصد الصوم  

يسود فهم خاطئ لدى كثير من المواطنين للمقصد الشرعي من الصوم؛ حيث يكرسون الشهر الفضيل لشهوة البطون، وهذا متناف تماما مع ضرورة الإحساس بالجوع والعطش المطلوبين للإحساس بخلة الفقراء والمحتاجين والعطف عليهم . 

 كما أن التبذير معصية يتشبه صاحبها بإخوان الشياطين، والشهر الفضيل موسم عبادات تضاعف فيه الأعمال الصالحة والسيئة فلنبتعد عن المبالغة في الأطعمة والأشربة ونكتفي بالقدر المطلوب ونكثر الصدقة على الفقراء والمساكين .  

عادات رمضانية ... وعبادات كثيرة 

من العادات المتأصلة في المجتمع الموريتاني في هذا الشهر ـ كذلك ـ  حلق الشعر للرجال والابتعاد عن الزينة المبالغ فيها للجنسين، وتنظيف المنزل بصورة تامة وشاملة، وقراءة القرآن والحرص على العبادات المختلفة خاصة الصلاة والإكثار من الصدقة والابتعاد عن الشحناء والخصومات والحث على الخير.

يحتل رمضان مكانة خاصة في قلوب الموريتانيين، حيث يعتبرونه شهر الصفاء الروحي، والعودة إلى الله بكل معاني الخشوع والتقوى. تنتشر مظاهر الاستعداد النفسي والروحي، فتجد المساجد تزداد ازدحاماً بالمصلين الذين يقبلون على أداء الصلوات وخاصة صلاة التراويح والقيام والتزاور ليلا، وعلى تنظيم الإفطار الجماعي والبحث عن من يفطرونه من المحتاجين وتقديم الطعام والشراب خاصة وجبات العشاء والسحور. 

وتشمل طقوس الشهرالكريم السهرات المديحية، والثقافية والبرامج التلفزيونية الهامة في  التي تجمع الأطباء والفقهاء لتنوير المجتمع في كل ما يهم دينه ودنياه. 

شهر رمضان في  بلادنا يبقى مدرسة متكاملة، تهذب أخلاق المجتمع وتبعده عن المشاكل والمساوئ المختلفة.

المرأة الموريتانية ... دور محوري 

تلعب الكثير من النساء الموريتانيات دوريا محوريا  في تحضيرات رمضان، فإلى جانب توفير مستلزمات البيت الغذائية، تبدأ منذ الأيام الأولى من شعبان في تنظيف البيت وتجهيزه لاستقبال الشهر الكريم. وتتحول المرأة إلى خلية نحل لا تهدأ، تحضر الأكلات التقليدية، وفي الريف تعد الحساء، وتخزن كميات كافية من اللبن واللحم المجفف استعداداً للأيام المباركة.

ولا يقتصر دورها على الجانب المادي فقط، بل تكون المرأة شريكاً أساسياً في تعزيز الأجواء الروحانية داخل البيت، فتشجع الأطفال على الصيام وتعلمهم فضل هذا الشهر، كما تحرص على تخصيص جلسات عائلية لقراءة القرآن والدعاء.

كما تعمل كثير من النساء دون كلل على إعداد المائدة الرمضانية  التي لها طابع خاص يميزها عن باقي الأيام، وبدل الطابع القديم للمائدة الرمضانية التي كانت تقتصر على التمر و"الزريك" والشاي و"طاجين " ووجبة العشاء صارت غالبية البيوت الموريتانية تقدم سفرة إفطار تحتوي أنواعا كبيرة من المأكولات "السمبوسة وفوتاي والبطبوط وكريب وبتبزا وتاكوس وغيرها إضافة للحساء ووجبات "طاجين" وكؤوس الشاي وغيرها  ثم العشاء ، ولكن الكثيرين عادة من يتناولون مثل هذه الوجبات يؤخرون عشاءهم ويكتفون به عوضا عن السحور.

رمضان شهر تزكية النفس...

رغم أن الشهر الكريم لتزكية النفس، فإن هنالك مجموعة من العادات السيئة الدخيلة على المجتمع خلال الشهر يجب القضاء عليها، من أبرزها: الكسل الدائم لدى الشباب وكثرة النوم نهارا والسهر ليلا.

 كما أن الكثير من الشباب يضيعون صلاتهم نتيجة السهر المتواصل حتى الصباح، وكذلك   والكسل عن الدراسة والعمل حيث يعتقد البعض أن رمضان شهر للراحة والخمول وهذا عكس الواقع فهو شهر عبادة وعمل. 

هنالك أيضا عادة كثرة المتطفلين على الموائد، وهي سيئة جدا، فيجب أن يحرص الكل على أن تكون أمورهم مبرمجة، فالضيافة وإفطار الصائمين أمر مطلوب ومحبب في هذا الشهر ولكن التطفل والزيارات الفوضوية متخلفة والإحراج بهما مذموم.

من العادات الأخرى المذمومة عدم احترام المساجد، وتحويلها إلى غرف منام وفوضى الدخول والخروج منها وعدم ارتداء ثياب نظيفة مقبولة، وكثرة الاشتغال فيها بغير العبادة وكثرة البصاق.

يجب ـأيضاـ على الوزارة الوصية بالشؤون الدينية إنهاء الاختلافات في وقت الأذان بالعاصمة ووقت الإفطار والسحر، فهي عادة بدوية متخلفة وتربك الصائمين حتى أنه في الحي الواحد يختلف الأذان لتلك الأوقات. 

يجب كذلك أن تعمل الجهات المعنية بالشارع بفرض "شارع صائم" بمعنى أن تعاقب من يجاهر بالفطر كما تفعل عديد الدول الإسلامية فمن لديه رخصة فليستتر حتى لا يشوش على العامة. 

وينبغي كذلك على السلطات المعنية التقليل من زحمة المرور مساء قبل الإفطار من خلال وضع خطة محكمة لانسيابية المرور  خصوصا للحد من التشنج ومخلفاته بين الصائمين المتنقلين غير الصبورين.

من العادات المنبوذة شرعا وعرفا هو الاحتكار وزيادة أسعار السلع المستهلكة، برمضان أو غش الناس في البضاعة وهنا ندعو السلطات المعنية لتكثيف الرقابة وردع كل من يخالفون  في هذا المجال.

رمضان ... والخصوصية الموريتانية

رمضان شهر الرحمة والمغفرة، وتعيد لياليه الدفء للعلاقات الاجتماعية، حيث  تصبح اللقاءات العائلية عادة يومية تقريباً و يتبادل الناس الدعوات على الإفطار، ويحرصون على صلة الرحم  وزيارةالجيران .

علينا أن نتحلى فيه بروح الأخوة وصفات المسلم المسالم، ونحرص على صيامه نهارا وقيامه ليلا، ونبتعد عن كل تلك العادات السيئة، ونحاول ما استطعنا أن نتخرج من مدرسته الإيمانية بذخر كبير..

العمر مهما طال قصير، وخير الزاد ما ينفع صاحبه في الدنيا ويدخر منه ليوم تشيب لهوله الولدان .