الإعلامي: سيدي محمد ولد يونس
لضيفنا ذكريات لاتنسى مع رمضان في فترة الطفولة ...
مفاوضات ماراتونية صباحا يدخلها مع الكبار لإثبات قدرته على الصيام، تنتهي باتفاق على الصوم لساعات ..
في المساء تتوقف الحركية وقت الإفطار ... الكل في الموعد
كانت أجواء رمضان يومها روحانية بامتياز.
وقد تركت في نفسه أثرا عميقا.
كان لرمضان في طفولتي موعدٌ يسبق الهلال.. موعدٌ مع الفرح المتسلّل، ومع مفاوضاتٍ جادّة لا تخلو من طرافة. كنت أدخل في جدل طويل مع الكبار حول قدرتي على الصيام، فأُجادلهم بحماسة، ويُجادلونني بحكمة، حتى ننتهي إلى اتفاق عادل: أصوم ساعات من النهار. عندها فقط، كنت أشعر أنني خطوت خطوة خفية نحو الرجولة، وأن الشمس صارت شاهدة على عهدي الجديد مع الصبر.
وفي المساء، مهما طال اللعب مع الأتراب واستغرق من الوقت ما يغري بالمزيد، كانت للهروب نهاية محتومة. تُطفأ الهوايات واحدة تلو الأخرى، ونعود إلى البيوت قبل الغروب بقليل، حين تخلو الشوارع إلا من شيخٍ يتجه إلى المسجد بخطوات واثقة.
ليالي رمضان كانت مميزة خاصة مع التراويح التي كان الطفل الصغير يحرص على حضورها بحماسة خاصة العشر الأخيرة حيث يكون الامام وصل للأجزاء التي يحفظها .
السمر الليلي كان يتلوّن بألعاب شتى وفي أركان متفرقة من القرية، قبل أن يستقرّ به المطاف في سهرة فنية للمديح، تمتد حتى الأذان المنبّه لقرب الفجر لتبدأ مهمته في ايقاظ النيام للسحور.
أجلس قريبًا من المائدة المتواضعة، لا في الصدارة ولا في الهامش، وكان نصيبي الأحبّ منها التمر. غير أن نيل حصتي كان يتطلب صبرا آخر.. انتظار إفطار الكبار، وكانت فرصتي الذهبية حين ينهضون لصلاة المغرب، فأمدّ يدي إلى التمر كمن يظفر بغنيمة.
أما ليالي رمضان، فكان لها حدثٌ أترقّبه بشغف خاص.. صلاة التراويح. أقضي عشرينيتها الأولى مهذّبا، متخشّعا بقدر ما تسمح به طفولة متحمّسة، ثم إذا دخلت العشر الأواخر، وتحديدا الخمس الأخيرة، وبلغ القارئ الأجزاء التي أحفظها، دبّت فيّ يقظة مفاجئة. أترصّد الأخطاء، وأستعدّ للنصر الصغير، فإذا سكت الإمام عاجلته بالآية التالية، وأخرج من المسجد بوسام غير مرئي: بطلٌ في نظر أقراني، ومشوشٌ مزعجٌ بحسب تقييم الكبار.
وما إن تنقضي التراويح حتى يبدأ التيه الليلي.. رحلةٌ تمتد حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
في عطلة الأسبوع، كنت أستسلم للنوم حتى الليل أو قريبا منه، أما في أيام الدراسة فكانت معركة صامتة تدور بين وقت الدوام والنعاس. أحيانا يلحظها المدرّس، فيحسمها بسوط من عذاب ينهي القتال بهروب السِّنة من عيني إلى غير رجعة، في ذلك اليوم على الأقل.
كان السمر الليلي يتلوّن بألعاب شتى وفي أركان متفرقة من القرية، قبل أن يستقرّ بي المطاف في سهرة فنية للمديح، تمتد حتى الأذان المنبّه لقرب الفجر. هنالك تبدأ آخر مهام اليوم الرمضاني: إيقاظ النيام للسحور، ولاسيما أولئك الذين يوصونني بالأمر. أؤدّي المهمة بإتقان يملؤني فخرا واعتزازا، ويغمرني الفرح حين أشعر أنني لبيت طلب الكبار وتحملت السهر، وتدور في خلدي أفكار كثيرة لا تُقال، لكنها تُحسّ.
بعد صلاة الفجر، يكون هاجسي الأكبر، وربما الوحيد، إيقاظي للدراسة. فأقوم متثاقلا إلى الأرض، عاقدا العزم على أن أنام في عطلة الأسبوع حتى أذان المغرب، فأفشل كثيرا، وأنجح أحيانا، وكلاهما كان درسا صغيرا في إدارة الرغبات.
وعلى العموم، كانت أجواء رمضان يومها روحانية بامتياز. تركت في نفسي أثرا عميقا، وصاغت نظرتي للمواسم الدينية باعتبارها فرصا ثمينة لتجديد الصلة بالسماء، وتخفيف الارتباط بالأرض إلى أدنى مستوى.. حيث تتعلّم الروح كيف تُصغي، ويتعلّم القلب كيف يهدأ.
