أحمد حبيب صو
بينما تتجه أنظار العالم بقلق نحو تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وتحديداً التهديدات التي تطال أمن الطاقة في إيران وممرات الملاحة الدولية، يجد القادة وصناع القرار أنفسهم أمام حقيقة استراتيجية كبرى: الطاقة ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هي العمود الفقري للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي. وفي موريتانيا، لسنا بمعزل عن هذه الأمواج المتلاطمة؛ فكل اضطراب في أسعار النفط العالمية يرتد صداه مباشرة على ميزانيتنا وجيوب مواطنينا.
لقد أظهرت الحكومة الموريتانية مرونة في امتصاص الصدمات، لكن القراءة المتأنية للأداء تتطلب منا وضع النقاط على الحروف فيما يخص بعض العوائق الهيكلية.
فرغم جاذبية المشاريع الكبرى (كالغاز والهيدروجين)، إلا أن المستثمر الوطني والأجنبي ما زال يصطدم ببطء الإجراءات الإدارية وتعدد مراكز القرار. إن التحول الطاقوي يحتاج "إدارة طوارئ" تتجاوز الروتين التقليدي.
ونظرا لوجود الفجوة في التكوين المهني لسياسات التشغيل في قطاع الطاقة؛ فالمشاريع الكبرى تقترب من مراحل الإنتاج الفعلي، بينما لا تزال مخرجات التعليم الفني دون المستوى المطلوب لشغل الوظائف الفنية العليا، مما قد يضطرنا للاعتماد المفرط على الخبرات الأجنبية هذا من جهة ومن جهة اخرى لا تزال هناك حاجة ماسة لتعزيز آليات الرقابة القانونية الاستباقية لضمان توزيع عادل لمداخيل الثروات المستحدثة، وتفادي الأخطاء التي وقعت فيها دول ريعية أخرى.
ولا يفوتني أن اشير بتساؤل حول لقاء الرئيس بالأحزاب هل بذلك يتجاوز "التهدئة" إلى "الشراكة"؟
من وجهة نظري أن خطوة لقاء رئيس الجمهورية بالأحزاب السياسية كانت ضرورية لتحصين الجبهة الداخلية، ولكن النقد الموضوعي يفرض علينا التساؤل: هل سيتحول هذا اللقاء إلى شراكة دائمة في صنع القرار الاستراتيجي؟نظرا الي أن نجاح هذا الانفتاح السياسي يقاس بمدى قدرته على صياغة "ميثاق وطني للطاقة" يضمن استقرار القوانين والاتفاقيات الدولية بغض النظر عن تغير الحكومات أو المواقف السياسية.
وألح دائما الي ضرورة الوحدة الوطنية فالتلاحم الوطني صمام أمان في مواجهة "عدوى" الاضطرابات الإقليمية، فالحوار السياسي أداة فعالة لقطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال الأزمات المعيشية الناتجة عن تضخم أسعار الطاقة العالمية.
اخوتي إن القوة الحقيقية لموريتانيا اليوم تكمن في قدرتها على تحويل هذا الإجماع السياسي إلى "رافعة إدارية" تسرع من وتيرة الإنجاز وتضمن الشفافية المطلقة.
إننا أمام فرصة تاريخية، لكنها فرصة "مشروطة" بالقدرة على الإصلاح الإداري والقانوني الشامل فالحرب الإيرانية وأزمات الطاقة العالمية هي جرس إنذار لنا؛فالاستقرار السياسي وحده لا يكفي إذا لم يواكبه جهاز إداري كفء ومنظومة عدلية قوية تحمي الحقوق وتجذب الاستثمار.
إن لم نبنها فمن سيبنيها لنا؟
