لماذا لا نبدل السيارات بالدراجات؟

في زمن الأزمات، لا تُقاس قوة المجتمعات فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على التكيّف وإنتاج الحلول الذكية. وفي ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، وتذبذب سلاسل الإمدادات عالميا، تبرز الحاجة إلى التفكير في حلول وبدائل عملية، ذكية، ثورية، وقابلة للتطبيق.

منذ أيام، دعاني المهندس محمد عبد الرحمن الشيخ، وهو ينشط معنا في عدة مبادرات تطوعية، للمشاركة في لقاء ستنظمه “منصة تطوع” التي ينسق أنشطتها، وكان اللقاء تحت عنوان: “الطاقة في موريتانيا: التحديات، الترشيد، وآفاق البدائل”، ونظرا لانشغالات ضاغطة، فلم أتمكن من الحضور.

واليوم، راسلني بفكرة أعلن عن تبنيها على هامش اللقاء، تمثلت في توقيفه لسيارته وإبدالها بدراجة هوائية، في خطوة وصفها بالبسيطة، ولكنها في جوهرها فكرة ثورية، تعبر عن وعي بالمسؤولية، وسعي جدي لترشيد الطاقة، وللحفاظ على البيئة.

عندما اطلعتُ على الفكرة، تذكرتُ مقترحين في المجال، غاية الأهمية، سأتحدث في هذا المقال عن أحدهما، وأترك الحديث عن الثاني إلى وقت لاحق إن شاء الله. المقترحان عرضهما عليَّ صديقي الفاضل الباحث في معهد “إكس” للعلوم السياسية الخبير محمد محمود ولد المعلوم خلال قدومه في عطلته للعام 2024.

حاولنا حينها تنفيذ المقترحين، ولكن ضيق العطلة حال دون ذلك، ونفس الشيء حدث خلال قدومه في عطلته الموالية للعام 2025.

ومع أن المقترحين أعِدَّا قبل سنتين من الآن، إلا أن الحاجة إليهما تبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وخاصة بعد أن اندلعت الحرب الحالية في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، مما جعل الحكومة تتخذ مؤخرا بعض الإجراءات والتدابير التقشفية.

يدعو المقترح الأول إلى تشجيع الموريتانيين على استخدام الدراجة، وذلك باعتبارها وسيلة نقل فعالة لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، ولكونها تساهم في تحسين الصحة واللياقة البدنية، وتقلل من حوادث السير. كما أنها يمكن أن تلعب دورا مهما في تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.

تبدو أهمية استخدام الدراجة لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، وتحسين الصحة، والحد من حوادث السير واضحة جدا، ولا تحتاج لأي شرح، ولكن تبقى علاقتها بالوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي أقل وضوحا، وقد بين المقترح تلك العلاقة عندما اعتبر أن الدراجة يمكن أن تكون وسيلة فعالة للاندماج الاجتماعي، من خلال تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين، وخاصة عندما تستخدمها نخب المجتمع، فمثل ذلك سيزيد من تلاشي الفوارق الاجتماعية، ويعزز الاحترام المتبادل بين مختلف فئات المجتمع، كما أنه يشجع على تبنِّي سلوكيات تحترم الصالح العام والبيئة.

ويُطالب المقترح في مسودته الأولى بتبني سياسات عمومية تشجع على استخدام الدراجة، ويمكن أن يتم ذلك من خلال الإجراءات التالية:

1 ـ إنشاء مسارات في الطرق، آمنة وخاصة بالدراجات.

2 ـ تنظيم أيام “بدون سيارات”، وإطلاق أنشطة ومهرجانات للحث على استخدام الدراجات.

3 ـ توفير الدراجات بأسعار مخفضة، والتشجيع على اقتنائها.

4 ـ إدماج السلامة الطرقية وفوائد استخدام الدراجة في المناهج الدراسية.

ولتنفيذ هذا المقترح، حاولنا حينها أن نُعِدَّ لائحة من بعض القدوات والنخب المتحررة من القيود الاجتماعية، والتي هي على استعداد لأن تقتنني أو تؤجر دراجات، للمشاركة في إطلاق قافلة من الدراجات تجوب شوارع العاصمة، لحث المواطنين وتشجيعهم على استخدام الدراجات في تنقلاتهم بدلا من السيارات.

لم ننفذ الفكرة في ذلك الوقت، وعلى المستوى الشخصي، فكان لدي عائق كبير، وهو أني لم استخدم دراجة في حياتي، وكنتُ أخطط لأتدرب على قيادتها قبل أن أعلن عن انخراطي بشكل ميداني في المبادرة، وهذا هو العائق الذي يمنعني الآن من أن أعلن عن توقيفي لسيارتي، وإبدالها بدراجة مثلما فعل منسق منصة تطوع.

يحكى أن امرأة هندية كان لديها ولد مدمن على أكل الحلوى، فذهبت به يوما إلى غاندي وطلبت منه أن ينصحه بالتوقف عن أكل الحلوى. لم يكن من غاندي إلا أن طلب من المرأة أن تعود إليه بابنها بعد ثلاثة أسابيع.

وعند عودتها بابنها في الموعد المحدد التفت غاندي إلى الطفل وطلب منه أن يتوقف عن أكل الحلوى، ولم يزد على ذلك، فما كان من المرأة إلا أن استغربت من ذلك الفعل، وسألت غاندي لماذا لم تطلب منه ذلك خلال لقائنا السابق.

أجاب غاندي المرأة بأنه في تلك الفترة كان هو أيضا يأكل الحلوى، ولم يكن يستطيع أن يطلب من الطفل أن يتوقف عن شيء يفعله هو.

لا أستطيع أن أدعوكم اليوم لإبدال السيارة بالدراجة، فأنا لم أبدل حتى الآن سيارتي بدراجة، ولكني عازم على ذلك في المستقبل إن شاء الله.

وقبل أن يتحقق ذلك، أرجو أن تسمحوا لي أن أدعو الحكومة إلى أن يبادر أحد وزرائها الشباب بالذهاب إلى مكتبه في الوزارة على دراجة، ولِمَ لا يحضر عدد منهم لمجلس الوزراء القادم على دراجات؟ ولِمَ لا يبادر بعض قادة حزب الإنصاف باقتناء دراجات والذهاب بها إلى مقر الحزب؟ وَلِمَ لا يكثر بعض المدونين الداعمين لإجراءات الحكومة التقشفية من نشر صورهم على دراجات وهم يتجولون في شوارع العاصمة؟

لقد شاهدنا منذ أشهر عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، أحد كبار رجال الأعمال في البلد، وهو يُعِدُّ الطعام بنفسه خلال رحلة مع أصدقائه، داخل ولاية آدرار على ما أظن، وأثار ذلك المشهد إعجاب الكثيرين. فَلِم لا يبادر رجل الأعمال هذا إلى استخدام دراجة ولو ليوم واحد؟ فهو عندما يفعل ذلك قد يقلده بعض الفقراء المولعين بتقليد الأغنياء.

إن دعم التدابير المتخذة مؤخرا من طرف الحكومة لمواجهة الأزمة الحالية، لا يقتصر فقط على التنازل عن نسبة من الراتب، وإنما يمكن أن يتم من خلال اقتناء دراجات للتنقل، وهذه تمثل أعلى درجات الدعم، ويأتي في المرتبة الثانية توقيف السيارات الخاصة، والتنقل في حافلات النقل العمومي، وعلى كبار الموظفين في الدولة، وكبار السياسيين الداعمين لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن يبادروا بالقيام بذلك، تشجيعا للمواطنين على استخدام الدراجات والنقل العمومي، وبذلك نرشد الطاقة، وندعم الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومة مؤخرا لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات والتذبذب الحاصل في سلاسل الإمداد.

في زمن الأزمات، قد تبدأ الحلول الكبيرة بخطوات صغيرة.

حفظ الله موريتانيا…

محمد الأمين الفاضل [email protected]