الرق في الذاكرة الموريتانية: بين الاعتراف والتوظيف

محمد محمود محمد العتيق

يُعدّ الرق واحدًا من أكثر الصفحات إيلامًا في التاريخ الإنساني، ليس باعتباره ظاهرة محلية ارتبطت بشعب أو ثقافة أو دين بعينه، وإنما بوصفه نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا عرفته البشرية على امتداد قرون طويلة، وتعايشت معه مختلف الحضارات والأمم، من الشرق إلى الغرب، ومن الإمبراطوريات القديمة إلى المجتمعات التقليدية في إفريقيا وآسيا وأوروبا والعالم الإسلامي. لقد كان استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، في صورته العارية والقاسية، أمرًا مألوفًا ومقبولًا اجتماعيًا في عصور طويلة، رغم بشاعته الأخلاقية والإنسانية.
وليس من الجدية الفكرية ولا من الأمانة التاريخية اختزال هذه الظاهرة المعقدة في مجتمع بعينه، أو تصويرها وكأنها خصوصية موريتانية أو إسلامية. فالأرستقراطيات الأوروبية الكبرى، والعائلات النبيلة في مختلف الحضارات، والإمبراطوريات القديمة والحديثة، جميعها قامت في مراحل من تاريخها على أنظمة استعباد أو إقطاع أو تمييز طبقي حاد، وكانت جزءًا من بنية عالمية سادت لقرون طويلة قبل أن تتطور القيم الإنسانية والقانونية الحديثة تدريجيًا نحو تجريم الرق ورفضه أخلاقيًا وقانونيًا.
وفي السياق الموريتاني، فإن الأسر التقليدية ذات المكانة الاجتماعية أو الدينية، والتي يُعبَّر عنها اجتماعيًا بأسر “الصلاح والفضل”، ليست استثناءً من هذا السياق التاريخي العام. فقد كانت جزءًا من مجتمع تقليدي تشكل ضمن منظومة اجتماعية تاريخية كان الرق أحد مكوناتها المعروفة والمستقرة آنذاك، شأنها في ذلك شأن نظيراتها في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية. ومن ثم فإن تحويل هذا التاريخ إلى أداة دائمة للتشهير أو المحاكمة الأخلاقية الجماعية أو تصفية الحسابات الاجتماعية لن يفضي إلى عدالة حقيقية، بقدر ما سيؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام والكراهية داخل المجتمع.
غير أن الاعتراف بالسياق التاريخي لا يعني إطلاقًا تبرير الرق أو التقليل من بشاعته. فكون الظاهرة كانت شائعة لا يمنحها أي مشروعية أخلاقية. لقد كان الرق انتقاصًا من الكرامة الإنسانية، مهما اختلفت صوره أو مبرراته أو السياقات التي أحاطت به. ومن الضروري أن يكون هذا الموقف الأخلاقي واضحًا وصريحًا، بعيدًا عن الإنكار أو التخفيف أو التبرير.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شجاعة لتراثنا الفقهي والتاريخي، لا بروح القطيعة أو العداء للدين، وإنما بروح النقد العلمي والمسؤولية الحضارية. فمن المعروف أن الفقهاء القدامى اجتهدوا ضمن واقع تاريخي كان الرق فيه جزءًا من النظام الاجتماعي العالمي، ولذلك جاءت كثير من اجتهاداتهم الفقهية انعكاسًا لذلك الواقع. ومن الظلم محاكمتهم بمعايير عصر لم يعيشوا فيه.
غير أن المشكلة الحقيقية اليوم لا تكمن في اجتهادات فقهاء عاشوا قبل مئات السنين، وإنما في عجز جزء من المؤسسات الدينية والفقهية المعاصرة عن إنجاز مراجعة فكرية حقيقية لهذا التراث، وما يزال بعض الخطاب الديني يكرر أحكامًا وأدبيات مرتبطة بعصور تاريخية مختلفة، وكأنها صالحة للاستنساخ خارج سياقها الزمني والاجتماعي. إن بقاء أبواب الرق وأحكامه حاضرة في بعض المتون والخطابات التعليمية والدعوية، دون تفكيك نقدي واضح، يطرح سؤالًا مشروعًا حول الحاجة إلى غربلة التراث الفقهي وتمييز ما هو ديني ثابت عمّا هو اجتهاد تاريخي ارتبط بظروف عصره.
إن المجتمعات الحية لا تخاف من مراجعة تراثها، بل تعتبر النقد والتطوير شرطًا من شروط التقدم. أما تحويل التراث إلى منطقة مغلقة على النقد، فهو ما يجعل بعض القضايا التاريخية قابلة للانفجار مجددًا داخل الواقع المعاصر.
وفي المقابل، فإن معالجة ملف الرق وآثاره لا ينبغي أن تتحول إلى حالة من الابتزاز التاريخي أو الاستثمار الشعبوي في الذاكرة الجماعية. فبعض الخطابات المتداولة اليوم، سواء في الفضاء السياسي أو الإعلامي أو على وسائل التواصل الاجتماعي، تتعامل مع هذا الملف بمنطق التعبئة والاستقطاب أكثر مما تتعامل معه بوصفه قضية وطنية تحتاج إلى الحكمة والإنصاف والمعالجة الهادئة.
إن تحميل الأجيال الحالية مسؤولية أخلاقية مباشرة عن ممارسات تاريخية عاشتها مجتمعات العهود الماضية، أو التعامل مع الانتماءات الاجتماعية وكأنها إدانة وراثية أبدية، لن يبني مجتمعًا متصالحًا مع ذاته، ولن يحقق عدالة حقيقية. فالتاريخ لا يمكن تغييره، لكن يمكن فهمه وتجاوزه واستخلاص الدروس منه. والمجتمعات لا تتقدم عبر اجترار الأحقاد، بل عبر بناء عقد وطني جديد قائم على المواطنة والعدالة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية.
إن المطلوب اليوم في موريتانيا ليس إنكار الماضي، ولا تبييضه، ولا استغلاله سياسيًا، وإنما الاعتراف به بوعي ومسؤولية، مع العمل في الوقت نفسه على بناء مستقبل يتجاوز الانقسامات التاريخية ويؤسس لدولة حديثة لا يُقاس فيها الإنسان بأصله الاجتماعي أو إرثه التاريخي، بل بمواطنته وكفاءته وحقوقه المتساوية أمام القانون.
فالرق، مهما كان حضوره في التاريخ، يجب أن يبقى درسًا أخلاقيًا في رفض استغلال الإنسان للإنسان، لا وقودًا دائمًا لصراعات الحاضر والمستقبل.