قلعة الشقيف.. ملحمة سطرتها دماء37 بطلا حطموا أسطورة الجيش الذي لا يقهر

استيلاء إسرائيل على قلعة الشقيف أعاد للأذهان ذكريات أكبر من موقعها العسكري صنعها سبعة وثلاثون مقاتلا من القوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية عقب الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982.

قلعة شقيف رمزٌ أعلى من موقعها العسكري بكثير. 

رمزٌ صنعته شهادة 37 مقاتلا من القوات المشتركة، الفلسطينية اللبنانية، في مواجهة 1200 ضابط وجندي في الجيش الذي ظل يزعم أنه لا يُقهر، حتى رأى القهر على مرمى مترٍ أو ذراعٍ واحد. 

مقاتلون قرروا، في العام 1982، غداة الغزو الإسرائيلي للبنان، أن يقاتلوا حتى الطلقة الأخيرة وحتى الرمق الأخير في تلك القلعة. وإن نفذت الرصاصات فبالأظافر، من خلف كل حجر، ومن تحت كل نفق. 

وجاء في تقرير للدكتور يوسف الأستاذ، مدير الأخبار بقناة الغد، أن إسرائيل لم تترك سلاحا، من المدفعية والطائرات والهندسة والكوماندوز، إلا واستخدمته. 

كانت تنظر إليها كمرتفع. وكان المقاتلون الفلسطينيون ورفاقهم اللبنانيون ينظرون إليها كمرتفع أيضا. 

"لم نجد أحدا لنأسره". هذا ما يقوله الأرشيف الإسرائيلي عن تلك المقاومة. كل الذين قاتلونا من متر الى متر، ومن بين كل حجر، قضوا بعد أن نفذت ذخيرتهم.

لم يكونوا جنرالات متخرجين من كليات عسكرية. كانوا فقط طلاب هندسة من الجامعات اللبنانية، تشكلت منهم كتيبة "الجرمق"، بقيادة الشهيد علي أبو طوق، كتشكيل من حركة فتح، وشاركهم طلاب لبنانيون آخرون. الفتيات منهم تولين تعبئة أكياس الرمل ونقلها إلى المواقع. والشبان أعدوا الانفاق والتحصينات والخنادق، لكي يصنعوا من كلِ شبرٍ ملحمةً.

 

«معركة الشقيف»

المعركة استمرت ستين ساعة، تبدلت فيها وحدات القتال الإسرائيلية عدة مرات، وانسحبت عدة مرات، وحاولت الدخول من عدة جهات، والسبعة والثلاثون ظلوا في مرابضهم ثابتين. 

تلك المعركة هي التي فتحت الطريق الى اجتياح بيروت في ذلك العام، وانتهت بترك المقاتلين الفلسطينيين بيروت بعد أشهر من الحصار.

جاء العام 2026 لتختبر إسرائيل الجرح من جديد. 

دخلت القلعة وكسبت مرتفع الأرض، لعلها تكسب الثأر. والثأر ملحٌ يزول، مع أول زخة للمطر أو الرصاص. 

والثأر هزيل وبلا معنى، ربما لأنها قاتلت هذه الأيام أقل مما قاتلت في العام 1982، وربما لأنها لم تجرّ العشرات من قتلاها وجرحاها مثلما جرّتهم في تلك الأيام. وربما لأنها لم تجد نظيرا لأولئك السبعة وثلاثين، لتُمنى بنصر يشبه الهزيمة. 

الإغراء قد يدفع ذلك الجيش ليُجرب حظه من جديد إلى ما بعد الليطاني والزهراني. ولكنه يعرف النتيجة. 

كما يعرف التاريخ، لو أن الحرب كانت من أجل لبنان أو فلسطين مثلما كانت في قلعة شقيف ما كانت مهمته كذلك.

 

رفع العلم الإسرائيلي

يُشار إلى أن الجيش الإسرائيلي رفع علمه فوق قلعة الشقيف الأثرية جنوب لبنان، في انتهاك جديد لاتفاق وقف إطلاق النار، وخرق إضافي للاتفاق وتوسيع للتوغل البري داخل الأراضي اللبنانية.

واحتفت وسائل إعلام إسرائيلية بهذه الخطوة، لا سيما أن القلعة كانت تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي قبل انسحابه من جنوب لبنان.

ونشرت مواقع إخبارية ومنصات تواصل اجتماعي صورًا للعلم الإسرائيلي إلى جانب علم لواء «غولاني» فوق القلعة.

وأفادت قناة i24news بأن الجيش الإسرائيلي عاد إلى المنطقة بعد مرور 26 عامًا على الانسحاب من جنوب لبنان، مشيرة إلى أنه أعلن، يوم الأحد، سيطرته على مرتفعات بوفور ووادي سلوقي ضمن عملية واسعة النطاق.

 

وأوضح الجيش أن العملية بدأت قبل عدة أيام، حيث شنت قواته البرية، بما في ذلك لواء «غولاني» ولواء «غفعاتي» واللواء المدرع السابع، هجومًا مضادًا.

وأضاف أن النشاط العسكري يركز على السيطرة الميدانية، وتعميق الضرر الذي لحق بـ«حزب الله»، وتدمير البنى التحتية التي أُنشئت في التلال وتُستخدم لشن الهجمات.

ولفتت القناة إلى تموضع الجيش الإسرائيلي قرب مدينة النبطية في جنوب لبنان، التي وصفتها بأنها «مركز قوة مهم لحزب الله».

تاريخ القلعة

شُيّدت القلعة في محيط أرنون بقضاء النبطية على ارتفاع 700 متر فوق سطح البحر، ويعود تاريخها إلى العصر الروماني، دون وجود تاريخ محدد لإنشائها، ويمنحها موقعها الجغرافي المرتفع مميزات استراتيجية لمن يسيطر على المناطق المحيطة بها، كما تحمل اسمًا آخر هو قلعة بوفور أي الحصن الجميل.

وفي زمن الحملات الصليبية، وسّع الصليبيون في القرن الثاني عشر من بنائها، وتميز موقعها بقدرتها على مراقبة الطرق المؤدية إلى فلسطين والجليل، ما جعلها هدفًا للجيوش الإسلامية التي سعت لاستعادة السيطرة عليها.

ثم أعاد الأمير فخر الدين المعني الثاني «1572 - 1635 م»، وهو أحد أمراء لبنان من آل معن الدروز، ترميمها، وكانت تُعد من أمنع القلاع، ولذلك جعلها مركزًا لتموين جنوب لبنان في سنوات الجدب، وخبأ فيها خزانة أمواله.

وتعرضت القلعة لعمليات ترميم وتحصين عدة مرات في عصور المماليك والعثمانيين، قبل أن تتراجع أهميتها العسكرية مع تطور الأسلحة الحديثة.

 أشرس معارك المقاومة

وفي الذاكرة الحديثة ارتبط اسمها بواحدة من أشرس معارك المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام 1982.

وفي معركة الشقيف خسرت إسرائيل عددًا كبيرًا من ضباطها وجنودها، وباتت القلعة ومحيطها خلال سنوات الاحتلال لجنوب لبنان ذكرى مؤلمة للاحتلال بسبب كثافة الخسائر في عمليات المقاومة حتى انسحاب إسرائيل عام 2000.

وتعرضت القلعة للتخريب من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، إذ قُصفت عدة مرات قبل اجتياح 1982، ثم استُخدمت كمركز عسكري، وعملت القوات الإسرائيلية على تدمير معالمها، ما أدى إلى تشقق جدرانها بسبب تحرك الآليات العسكرية داخل حرمها.