موريتانيا تراهن على التجربة العُمانية لتسريع تحولها الرقمي

نواكشوط ـ «القدس العربي»: لم يعد التحول الرقمي بالنسبة لموريتانيا مجرد خيار لتحديث الإدارة، بل تحول إلى رهان استراتيجي يرتبط بجاذبية الاقتصاد، وكفاءة الخدمات العمومية، وأمن الفضاء السيبراني، وقدرة الدولة على مواكبة المنافسة الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبدو سلطنة عُمان شريكًا مفضلاً بالنسبة لنواكشوط، بالنظر إلى التجربة التي راكمتها في رقمنة الإدارة الحكومية وبناء منظومة رقمية متقدمة، وهو ما يفسر تسارع وتيرة التعاون بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة.
وشهدت العاصمة نواكشوط، افتتاح المنتدى الموريتاني–العُماني للرقمنة، بالتزامن مع زيارة وفد رسمي عُماني يقوده الدكتور علي بن عامر الشيذاني، وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، في خطوة تعكس انتقال التعاون بين البلدين من مرحلة التفاهمات السياسية إلى البحث عن مشاريع عملية وشراكات استثمارية في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
ويأتي المنتدى بعد يوم واحد من مباحثات رسمية جمعت وزير التحول الرقمي وعصرنة الإدارة أحمد سالم ولد بده بالوفد العُماني، حيث تناولت النقاشات ملفات التحول الرقمي، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات الحكومية الإلكترونية، إضافة إلى آليات تبادل الخبرات والاستفادة من التجربة العُمانية في تحديث الإدارة الموريتانية.
وخلال اللقاءات، عرضت الحكومة الموريتانية ملامح استراتيجيتها الوطنية للتحول الرقمي، والتي ترتكز على إصلاح المنظومة القانونية والمؤسسية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوسيع الخدمات الإلكترونية، وتعزيز الأمن السيبراني، وحماية البيانات، وبناء الكفاءات الوطنية، بهدف إقامة إدارة أكثر كفاءة وقدرة على تقديم خدمات رقمية آمنة للمواطنين.
وفي افتتاح المنتدى، أكد وزير التحول الرقمي أن التعاون مع سلطنة عُمان يمثل محطة مهمة في مسار تحديث الإدارة، مشيدًا بما حققته السلطنة في مجال الرقمنة، ومؤكدًا التزام الحكومة، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بمواصلة تطوير البنية الرقمية وتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز دور القطاع الخاص باعتباره شريكًا رئيسيًا في التنمية.
من جهته، شدد رئيس الوفد العُماني على أن الاقتصاد الرقمي أصبح أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، معربًا عن استعداد بلاده لتعميق التعاون مع موريتانيا عبر نقل الخبرات، وإقامة شراكات مباشرة بين المؤسسات والشركات في البلدين، بما يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة في مجالات التكنولوجيا والاتصالات والخدمات الرقمية.
كما أعلن الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين واتحادية الخدمات استعدادهما لمواكبة هذه الديناميكية الجديدة، عبر تشجيع الاستثمار، وتسهيل التواصل بين الشركات، والمساهمة في نقل التكنولوجيا وتطوير المبادرات الرقمية.
وتضمن المنتدى عروضًا حول التجربتين الموريتانية والعُمانية في التحول الرقمي، والأمن السيبراني، والخدمات الحكومية الإلكترونية، إضافة إلى جلسات تشبيك ولقاءات مباشرة بين الفاعلين الاقتصاديين لاستكشاف فرص التعاون والاستثمار.
ويعكس اختيار موريتانيا للشريك العُماني إدراكًا واضحًا لحجم الفجوة الرقمية التي لا تزال تفصلها عن الدول الرائدة في هذا المجال.
فوفق مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية «EGDI» لسنة 2024، تحتل سلطنة عُمان المرتبة 41 عالميًا بمعدل 0.8576 من أصل نقطة واحدة، متقدمة بشكل واضح على المتوسط العالمي، بينما جاءت موريتانيا في المرتبة 165 عالميًا بمعدل 0.3491، وهو مستوى يقل كذلك عن المتوسط الأفريقي.
أما في المؤشر العالمي للأمن السيبراني 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، فتصنف سلطنة عُمان ضمن الفئة الأولى للدول النموذجية في الأمن السيبراني، في حين لا تزال موريتانيا ضمن المستويات المتأخرة، رغم تحقيقها تقدمًا في الإطار القانوني، مع استمرار الحاجة إلى تطوير القدرات التقنية والمؤسساتية، وتعزيز الكفاءات البشرية، وتوسيع التعاون الدولي.

من التفاهمات إلى التنفيذ

ولا يمثل المنتدى حدثًا معزولًا، بل يأتي امتدادًا لمسار تعاون بدأ منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عندما اتفق البلدان على تفعيل مذكرة تفاهم سابقة عبر إطلاق مشاريع عملية في مجالات الأمن السيبراني، ورقمنة الإدارات العمومية، والاقتصاد الرقمي، ونقل الخبرات التقنية.
ويبدو أن نواكشوط تراهن اليوم على تحويل هذا التعاون إلى شراكات اقتصادية واستثمارية، بحيث لا يقتصر على الاستفادة من الخبرة العُمانية في تطوير الإدارة الإلكترونية، وإنما يمتد إلى جذب الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، وتشجيع الابتكار، وخلق بيئة رقمية أكثر جاذبية للمؤسسات المحلية والدولية.

شراكة تتجاوز البعد التقني

ويجمع مراقبون على أن أهمية التعاون الموريتاني–العُماني لا تكمن فقط في نقل التكنولوجيا، بل في مساهمته في بناء منظومة رقمية متكاملة تجمع بين تحديث الإدارة، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وهو ما يشكل أحد المرتكزات الأساسية لتنويع الاقتصاد الموريتاني ورفع تنافسيته خلال السنوات المقبلة.
وتشير المؤشرات إلى أن نجاح هذه الشراكة سيقاس بمدى قدرتها على الانتقال من تبادل الخبرات والمنتديات إلى تنفيذ مشاريع ملموسة، وإحداث تحول حقيقي في الخدمات الحكومية والبيئة الاستثمارية، بما يسمح لموريتانيا بتقليص الفجوة الرقمية مع الدول الأكثر تقدمًا، والاستفادة من التحول الرقمي باعتباره رافعة للتنمية الاقتصادية والإدارية.