عبد الله ولد زا گه
وصل" بيزسترا توس " إلى السلطة في أثينا في حدود 517 قبل الميلاد عن طريق حزب " الجبل المعتمد في شعبيته على الطبقات الشعبية المهمشة التي ظلت خارج اللعبة السياسية و سمحت لها إصلاحات المشرع اليوناني "سولون " بالمشاركة في العملية السياسية "ولم يكن " بيزسترا توس" يومها راضيا عن تلك الإصلاحات التي بدت غير كافية أمام الطلبات المتزايدة للطبقات الشعبية المتطلعة إلى المشاركة والسيطرة على الحكم ، رغم كونها قضت على حكم النبلاء ـ نظام الأراكنة ـ وألغت الرق وسمحت بمشاركة جميع فئات المجتمع في تسيير شؤون الدولة .. وأخيرا نجح حزب الجبل في إيصال " بيزسترا توس" إلى سدة الحكم ونصب نفسه طاغية على أثينا ..! "
اليوم يصارع زعيم حركة" ايرا بيرام الداه اعبيد " من أجل تحويل منظمته إلى "حزب الرگ ؛ "والر گ" في تضاريسنا من أبناء الجبل، لكنه فضل الاضجاع والتمدد بدل الوقوف والشموخ ؛ فهل نُحت اسم الحزب عن وعي أم أنها مجرد صدفة ، وهل يريد بيرام إعادة ديمقراطية " بيزسترا توس" واستغلال الطبقات الهشة في إقامة نظام ديكتاتوري ..!
كل خطاباته وصراخ المحطين به تشي بنزعة سادية تعتمد الاقصاء والإلغاء و التعنيف اللفظي وربما الجسدي لمن لا يتماهون مع طرحهم ذي النزعة الشرائحية ، ولا نعتقد أن من يعتمد هذه "البروباغندا اللونية" يستحق أن يحكم موريتانيا .
في الواقع تعاني ديمقراطيتنا أزمة نخبة ينخرها الكسل والخمول وتعلي المنفعة الشخصية والمكاسب الآنية على التفكير والبناء الاستراتيجي ؛ يقول المفكر والكاتب الأنيق محمد يحيظه ولدابريد الليل رحمه الله " مامضمونه إن ديمقراطية المراحل الانتقالية أجهزت على نخبتنا السياسية وتركتها رهينة للصدفة والمفاجأة ، بدل التفكير والتخطيط والوعي الاستراتيجي" ؛ في الحقيقة جعلتنا هذه الوضعية المزرية أمام نخب تكره الديمقراطية ، وترفض تحرك الأمور نحو الأمام خوفا من أن تفقد مكانتها داخل مشهد سياسي جعلته الأوضاع القائمة بقرة حلوبا يجب أن لا يتوقف إدرارها للحليب ..!
يمكن أن نتلمس بل و نشاهد هذا الواقع المأسوي من خلال واقع الأحزاب السياسية التي ترفض الممارسة الديمقراطية داخل هيئتها مما حولها إلى مقابر مهجورة وجثث هامدة؛ ماتت جماهيريا منذ الأزل ؛ وتركت الفراغ يمتلئ بما تجود به الطبيعة ، ويقول أهل الفيزياء إن الطبيعة لا تقبل الفراغ ، والحال نفسه بالنسبة للسياسية ..
في ظل هذه الظروف يمكن لرئيس منظمة حقوقية ؛ مَطْلِيَّة بالمطالب والشعارات اللونية أن يطالب بتحويلها إلى حزب سياسي ، كما يمكن للأحزاب السياسية أن تفتتح مزادا لتسليم قوائمها الانتخابية لمن يدفع أكثر ، لنصبح ودون سابق إنذار أمام زمرة من نفعيي السياسة آخر همهم مصالح الدولة والشعب ؛ فهل يمكن وصف هذه الحالة العجيبة بالتبييض والغسيل السياسي..!
في العالم من حولنا نموذجان من الحكامة ؛ النموذج الأول الديمقراطية الغربية ورغم قباحة وجهها وموت انسانيتها ـ ولعل تواطؤهم على إبادة الشعب الفلسطيني عبرت عن ذلك بوضوح ـ إلا أنها نجحت في سن قوانين وضعية مكنتها من السيطرة على الموارد وتوفير الخدمات وقمع الفساد و تكريس المؤسسية ، ولم تعد سياستها وحكامتها أمرا متروكا للصدفة والمفاجأة بل أصبحت لها آليات تصونها من ذلك ، أما النموذج الثاني فيتوزع على باقي دول العالم ويتأرجح بين الأحكام الشمولية و التحول نحو الديمقراطية وما يصاحبها من مفاجآت ومراحل انتقالية ،ولعلنا نحسب من البلدان القليلة في المنطقة التي حافظت على السير ولو ببطء على طريق الديمقراطية رغم التعثر والاختلالات البنيوية .
لقد سعى رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله للسلطة إلى تحريك وتطوير مسارنا الديمقراطي معتمدا في ذلك " التوفيق بين القوة والمعقولية" ؛ فبادر إلى وضع النخبة السياسية في حالة نفسية وذهنية مريحة ؛ لمن يريد العمل والتفكير الجاد في بناء وتوطيد حكامة سياسية راشدة ، فأشرع أبواب القصر الرئاسي مشاورا ومستمعا ، كما أطلق مسارات وورش متعددة لتصحيح الاختلالات في النظام الانتخابي وقانون الأحزاب ، ثم أطلق حوار ا منزوع الأبواب والنوافذ ، لا يستثني موضوعا ولا يقصي أحدا ، لكن الكسل والخمول والتفكير النفعي ظل يعيق عقول النخب السياسية فلاهي استقالت من حياتنا السياسية واراحتنا من عبئها ، ولاهي واكبت النظام في طموحه للبلاد.. يا للهول كم نحن بارعون في تضييع الفرص و اللحظات التاريخية ..!
لا نعتقد أنه بعد كل هذا الجهد والوقت الذي بذله الرئيس ونظامه بقي عذر للنخبة السياسية ، وعلى الدولة أن تٌعمل اجتهادها فيما تراه مناسبا للوطن والشعب ؛ ولتذهب الديمقراطية إلى الجحيم