د. باب سيد أحمد لعلي
يصرّ الوظيفيون على أن أيّ حدث في الجسم الاجتماعي- أي جسم- سواء كان عالميا أم محليا مجرد تكتيك لإعادة النظام، فالوظيفة الاجتماعية للفعل من هذا المنظور هدفها ضبطي وتنظيمي أكثر من أي شيء آخر.
غير أن الوجه المقلوب للقضية على ما فيها من بساطة وعلى سرعة تنفيذها "خطف رئيس دولة من قبل دولة أخرى بهذه البرودة" أمرٌ يجعل الذهن يتوقف قليلا وهو في خضم تجربته الوجودية على الأقل منذ استقلال الدولة القطرية، والتي تتشابك مع الأزمات الداخلية وما يقع فيها من تناقض بنيوي بين التيارين مستقلين ومتنافرين، أحدهما شكّل الدولة بعد الاستقلال، وهو خارجي والآخر محلي يتنقل ويتفاعل بثقل الانتماء وبحيز الثقافة على حدّ اعتبار بلاندييه، يقف رويدا للتمعن في دلالات هذا الخطف، لأنه يمس بقوة في شرعية السيادة على الأقل القطرية، في الوقت الذي يطلقُ العنان أكثر لاستحكام قانون الغاب بدل منطق العقل.
لماذا لا يتجرك العالم للتضامن مع سيادة دولة انتهكتْ بطريقة فجّة للغاية، ولم يسبق لأي دولة أن فعلت مثل ما فعلت أمريكا لفينزويلا،؟ أليس هذا الاختطاف في معناه يدلّ على أن جميع رؤساء الدول وملوكها قد يكنون عرضة لذات السيناريو؟ ثم أليس غريبا في الأعراف الدبلوماسية - على الأقل- أن يُحاكم رئيس دولة مستقلة وذات سيادة "مُختطف" في دولة أخرى وهو لا يزال في مأموريته الشرعية ولا علاقة له بقوانيين الدولة الأخرى المُختطِفة؟
ينطلق فوكوياما وهو المنظر الإمبريالي المشهور في كتابه "بناء الدولة" من مسلمة، يعتبر فيها أن الدولة في العالم الثالث إسمية وأن نموذجها الحالي لم ينجح ويتحقق إلا في العالم الغربي الذي تأسس فيه وغرب آسيا، وأن السيادة ذاتها متآكلة جراء سطوة المؤسسات العابرة للقارات، وهذا واقع دولي مُتحقق، لكن الإشكال الحالي أين نحن من مساعي البناء والاستقلال؟
صحيح شهدنا في منتصف القرن العرشين ميلاد دول العالم الثالث واستقلالها عن الدول الإستعمارية الكبرى واحدة تلو الأخرى، ثم تفتيتها بدعوى الحرية وتحقيق المصير، وأصبح المجتمع الواحد يتجزء في عدة كيانات دولاتية، وصحيح كذلك أن ذلك الاستقلال كان في إطار خلق النظام العالمي الذي انبثق عن الحرب العالمية الثانية، وإقصاء لدور الدول الإستعمارية القديمة، لذلك كان الراعي الأول والدافع الأول لاستقلالات الدول الناشئة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، والاتحاد السوفيتي، على ما بينهما من خُلف وخلاف.
لكن ذلك الاستقلال لا يتجسد في معناه إلى باستغلال أبشع وأشنع وتبعية لا يمكن معها أن تخلق هذه الكيانات أبسط خيار مخالف، وإلا فإن المعيار العالمي في النزاهة والحرية والديمقراطية سيكون نفسه سيفا مسلطا يدفع الآلات التنفيذية لإعجال الحكم أو تصحيحه، تحصيحا للنظام العالمي ذاته الذي انبثقت عنه هذه الدول.
فنزويلا البُولِيفَارِيَّةُ والتي قاوم سكانها في الماضي بشراسة وضراوة المُستعمر الإسباني، سلمت رئيسها بهذه السهولة، دون أي انتقام أو فعل معادي، حتى نائبة رئيسها المُختطف أرسلت اليوم بعد هذه العملية إشارات سلام للولايات المتحدة الأمريكية، ورغم أن العملية في تفاصيلها تنبؤ عن حجم اختراق استخباراتي عميق في الجهاز التنفيذي الفينزويلي إلا أن وقوف الحكومة والجيش دون أي ردّة فعل أمر يجعلنا ننظر للأمور من زاويتين.
أولاهما أن لا سُلطة إلا للقوة، وأن القانون الدولي والأقليمي والمحلي يوجد فقط لحماية الأقوى، الذي يستطيع بمنطق تلك القوة إقافه والقفز عليه متى شاء!، وهذا دليل يُربك جميع الأذهان والعقول ويُخيف أيضا جميع الرؤساء، إن لم يحاولوا الإحاطة، في ذات الوقت الذي يؤكد أن القوة المُطلقة لا يمكن نقدها أو صدها أحرى الهجوم والدفاع في وجهها.
ثانيهما: أن معاني الشرف لم تعد ذات قيمية دلالاية معتبرة في العالم اليوم عندما يتعلق الأمر بمن يملك القوة المُطلقة، وإلا فليس الرد ولو كان مستواه خجولا إلا محاولة بسيطة لإثبات عزة النفس، ووقفوها على قيّم معينة.
النظام العالمي يعيد تشكيل نفسه، والمعنى الذي يُجسد أن هذه الدول ليست إلا راعية لمصالح القوى العظمى التي أوجدتها من قبل، وعلى الرغم من استقلال فنزويلا كان تاريخ احتلال الجزائر 1830 إلا أن ضغط النظام وتوزيع القوة وما تزخر به من موارد يُسيل لعاب الآخرين، خصوصا وإن كان النظام في سبيل إعادة انتاج ذاته في وجه المد الصيني الراهن.
والنتيجة الأكثر إيلاما دعكم في التفكير بالمشاكل الداخلية لهذه الكيانات الدولاتية، فالمهم أن تحفظ مصالح القوى التي أوجدتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم
#والله الموفق
