خبراء يحذرون من آثار قرار ترمب بانسحاب أميركا من 66 منظمة

بقرار يضرب في عمق النظام الدولي الذي أسهمت واشنطن نفسها في بنائه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمرًا تنفيذيًا يقضي بسحب عضوية الولايات المتحدة ووقف تمويلها لـ 66 منظمة دولية وأممية، في خطوة تتجاوز الحسابات المالية إلى إعادة صياغة موقع أميركا ودورها العالمي.

وشمل الانسحاب مؤسسات محورية تُعد ركائز لحوكمة المناخ وتنظيم الأسرة والمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ما يفتح الباب أمام آثار كارثية محتملة على الجهود الدولية لمواجهة الاحترار العالمي وحماية حقوق النساء وصحة الأم والطفل في عشرات الدول الهشة.

ولا يأتي هذا التحول معزولًا عن خطاب سياسي أوسع يتبناه ترمب، يقوم على التشكيك بعلوم المناخ، ورفض أجندات المساواة، واعتبار التعاون الدولي عبئًا على السيادة الأميركية، وهي مقاربة يدعمها وزير خارجيته ماركو روبيو بوصفها مواجهة لمشروع عالمي «وهمي» يسعى، وفق تصريحاته، إلى تقييد الولايات المتحدة.

غير أن منتقدين يرون في هذه الخطوات تفكيكًا متعمدًا لمنظومة التعاون الدولي، وتراجعًا عن عقود من الريادة الأميركية في صياغة القواعد المنظمة للاقتصاد والبيئة وحقوق الإنسان، في لحظة عالمية تتصاعد فيها التحديات العابرة للحدود.

وتتسع دلالات هذا النهج مع تصريحات ترمب حول السيطرة على نفط فنزويلا وخطابه المتعالي تجاه قادة أوروبا، ما يعكس انتقالًا من سياسة الشراكات والتحالفات إلى منطق الهيمنة الصفرية.

ووقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعلانًا بانسحاب الولايات المتحدة من 35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة و31 كيانًا تابعًا لها، قال إنها تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية الأميركية.

دون سابق إنذار

وفجأة، ودون سابق إنذار، أوقفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمويل 66 منظمة أممية وغير أممية. وما تعهدت به إدارة ترمب نهاية العام الماضي بتقديم ملياري دولار للمساعدات الإنسانية للأمم المتحدة قد يكون آخر ما تمنحه للمنظمات الإنسانية، وربما يُعلن لاحقًا أنه جُمّد بموجب المرسوم الجديد.

ولم يسمِّ البيان الصادر عن البيت الأبيض المنظمات المعنية بقرار انسحاب واشنطن منها، واكتفى بالإشارة إلى أسباب الانسحاب، معتبرًا أنها منظمات «تروّج لسياسات مناخية راديكالية، وحوكمة عالمية، وبرامج أيديولوجية تتعارض مع سيادة الولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية»، وفق البيان.

ويرى مراقبون أن إدارة ترمب لم تتسرّع في اتخاذ القرار، إذ جاء نتاج مراجعة شاملة وصامتة لجميع المنظمات الحكومية الدولية والاتفاقيات والمعاهدات التي تُعد الولايات المتحدة عضوًا فيها أو طرفًا فيها.

وبحسب البيان، سيخفف القرار العبء عن دافعي الضرائب الأميركيين، ويحدّ من مشاركة الولايات المتحدة في جهات تُقدّم أجندات على حساب الأولويات الأميركية، مضيفًا أنه قد يكون من الأفضل تخصيص أموال دافعي الضرائب بطرق أخرى لدعم مهام ذات صلة، وفق تقدير إدارة ترمب.

وقد لا يكون القرار مفاجئًا، إذ صدر ما يماثله قبل نحو عام عندما خفّض ترمب تمويل الولايات المتحدة لمنظمة الأمم المتحدة، وأوقف مشاركة واشنطن في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومدّد تعليق تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، مع الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو».

وللحديث حول هذا الموضوع، ينضم إلينا من باريس د. خطار أبو دياب، أستاذ العلاقات الدولية، ومن عمّان البروفيسور أحمد ملاعبة، أستاذ الجيولوجيا والبيئة والتغيرات المناخية في الجامعة الهاشمية.

ترمب يريد نظاما دوليا يعطي القوة لأميركا فقط

 

ترمب يريد نظاما دوليا يعطي القوة لأميركا فقط ونحن أمام استعمار جديد.. أكاديمي يوضح

من جانبه، قال خطار أبو دياب، أستاذ العلاقات الدولية، إن قرار ترمب بالانسحاب له عدة أسباب، من بينها وجود عجز كبير في الميزانيات الأميركية، ما استدعى رصد الأموال للأولويات الأميركية، لكنه، من ناحية أخرى، دليل على عدم الثقة بالنظام متعدد الأطراف وبمنظومات الأمم المتحدة.

وأضاف، في مقابلة مع قناة «الغد» عبر برنامج «مدار الغد»، أن خطاب ترمب تجاه الأمم المتحدة بدأ منذ ولايته الأولى، وهذه المرة عاد سريعًا للحديث عن اتفاقية المناخ ومنظمة الصحة العالمية، مشيرًا إلى أنه حتى المؤسسات الأميركية التي كانت تضطلع بأعمال التعاون العالمي ألغتها إدارة ترمب.

وأشار إلى أنه في السابق كان الجميع يريد الأخذ من أميركا، أما الآن فهو يريد أن يأخذ من العالم، معتبرًا أن ذلك يعكس توجهًا نحو نظام يمنح الأولوية للقوة العظمى الوحيدة في العالم، وهي أميركا.

وأوضح أن ما حدث دفع المستشار الألماني إلى القول إن أميركا تريد تدمير النظام العالمي، ودفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القول إن أميركا تتحرر من واجباتها، معتبرًا أننا أمام «استعمار جديد» وخرق للقواعد الدولية.