نجحت الصين وفشلت أمريكا

حاتم الطائي / رئيس تحرير الرؤية العمانية 

الموقف الصيني الشُجاع الذي واجه الأزمة بحلول غير تقليدية، انعكس على الأداء الاقتصادي؛ إذ لم تتأثر المصانع الصينية جرّاء الحرب التجارية الأمريكية؛ بل على العكس سجّلت نموًا في الإنتاج والصادرات، فقد كشفت بيانات جمركية أنَّ الصادرات الصينية نمت بمقدار 5.9% على أساس سنوي في نوفمبر، متجاوزة التوقعات التي كانت تشير إلى نموها بمقدار 3.8% فقط! هذا التحول اللافت يؤكد أن القرارات الأمريكية لم تكن أبدًا قائمة على أُسس اقتصادية، وإنما استندت إلى رغبات وأهواء رئيس نرجسي ينظر إلى القضايا بنظرة شخصية، تعتمد على رؤيته الذاتية للأمر، وليس على رأي مؤسسات الدولة، وهو ما تجّلى بوضوح في عديد القضايا الأخرى، سواء في العلاقات مع أوروبا أو قضايا الشرق الأوسط، أو حتى في الأزمة التي تتفاقم حاليًا مع فنزويلا، والتي لا أساس منطقيًا لها سوى شخصنة القضية بسبب مواقف الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، المناهضة للاستعمار والإمبريالية في صورتها الأمريكية المُعاصرة.

القرار الصيني بالتوسع في الأسواق الأخرى خارج أمريكا؛ حيث كثفت جهودها لتنويع أسواق صادراتها، وسعت إلى توطيد العلاقات التجارية مع جنوب شرق آسيا والاتحاد الأوروبي، كما استفادت من الانتشار العالمي لشركاتها لإقامة مراكز إنتاج جديدة تُتيح لها وصولًا برسوم جمركية منخفضة إلى الأسواق. وتؤكد الإحصاءات الرسمية ذلك؛ إذ انخفضت الشحنات الصينية إلى الولايات المتحدة بواقع 29% على أساس سنوي في نوفمبر الماضي، في حين نمت الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي بمقدار 14.8%، وارتفعت الشحنات إلى أستراليا 35.8%، واستقبلت اقتصادات جنوب شرق آسيا سلعًا صينية بزيادة 8.2%.

هذه الأرقام تُؤكد أنَّ إيمان الصين بمفاهيم وتطبيقات العولمة يتحقق على أرض الواقع؛ فالصين صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تؤمن أنَّ النمو العالمي لا يتحقق إلّا بتكاتف الجهود والتعاون الدولي القائم على المصالح المتبادلة، لا على الحروب التجارية والرسوم الجمركية المُبالغ فيها.

الصينيون يقرأون التاريخ جيدًا ويُدركون الأبعاد الحضارية في مختلف المراحل، باعتبارهم شعب صاحب حضارة، وليس طارئًا على الإنسانية كما هو الحال بالنسبة للأمريكيين الذين لم يؤسسوا أبدًا حضارة بمفهومها الصحيح، وإنما استطاعوا- بفضل الإمكانيات المالية وتوافد المهاجرين من كل أنحاء العالم- بناء منظومات متطورة في مختلف المجالات. في المُقابل، ما يزال ترامب وإداراته يؤمنون بالأفكار الاستعمارية القائمة على فرض الإرادات وإجبار الخصوم على الخضوع تحت عصا الابتزاز والترهيب تارة، والتهديد بأعمال عسكرية ومخابراتية تارةً أخرى. وما يؤكد على عنجهية وحماقة هذا التوجه، أنهم لم يُدركوا أنَّ مثل هذه السياسات القذرة لا تصلح مع حضارة كبيرة مثل الحضارة الصينية، التي نجحت قبل آلاف السنين في عبور البحار والمحيطات والوصول إلى أبعد نقطة، في لحظة تواصل حضاري ربطت العالم بأسره شرقًا وغربًا، جنوبًا وشمالًا، وهو ما يُعرف باسم "طريق الحرير"، الذي لم يكن مجرد طريق للقوافل التجارية وحسب، وإنما سبيلًا نحو البناء الحضاري القائم على الرؤية الإنسانية السامية للعالم، باعتباره كيانًا واحدًا، أو بلغة اليوم "قرية عالمية صغيرة".

ويبقى القول.. اليوم وبعد قرابة عامين من حرب تجارية شنَّها الرئيس الأمريكي منذ عودته إلى البيت الأبيض، فإنَّ الصين انتصرت في هذه الحرب العبثية، فيما تكبدت أمريكا الخسائر واحدة تلو الأخرى. انتصرت الصين لأنها رفضت سياسة العصا والجزرة، ورفضت أن تخضع وتنكسر في حرب إرادات سياسية واقتصادية لا حرب إيرادات جمركية، وعلى الدول الساعية لبلوغ مكانتها بين الأمم أن تُحافظ على الندية في التعامل مع القوى العالمية، لا سيما تلك القوى التي ترتكز على أفكار استعمارية واستعلائية، وأن السبيل الوحيد للنجاح هو العمل والإنتاج، وليس التكاسل والتخاذل، وأنه إذا ما قررت أمة من الأمم أن تتفوق مع الأخذ بأسباب هذا التفوق؛ فالنجاح حليفها والانتصار رفيق دربها.