هل يولد النظام البرلماني من رحم الحوار الوطني؟

سيدنا ولد السبتي

في خضم التحولات السياسية التي تعيشها الساحة الموريتانية، تبرز دعوة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لإطلاق حوار وطني شامل، كفرصة تاريخية قد تعيد رسم ملامح النظام السياسي في البلاد. فبينما تتعالى الأصوات المطالبة بتغيير جذري ينتقل بموريتانيا من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني، يظل السؤال الأكبر معلقًا في الأفق: هل يستطيع الحوار المرتقب أن يصوغ توافقًا وطنيًا يعيد توزيع السلطات ويؤسس لمرحلة ديمقراطية أكثر نضجًا؟ أم تبقى الخلافات السياسية عائقًا دون تحقيق هذا الحلم؟

سياق الحوار: بين النداء الرسمي وتحفظات المعارضة

منذ الإعلان عن دعوة الرئيس للحوار، تحركت المياه الراكدة في المشهد السياسي الموريتاني. أكدت الحكومة انفتاحها على جميع الأطياف دون استثناء، في محاولة لتوسيع دائرة المشاركة وضمان تمثيل حقيقي يعكس إرادة الشعب. غير أن بعض قوى المعارضة سرعان ما أبدت تحفظاتها، معتبرة أن الشروط المطروحة لا تضمن تكافؤ الفرص ولا تسمح بمشاركة فاعلة ومؤثرة. هذا الجدل حول شرعية التمثيل يضع الحوار أمام اختبار صعب منذ البداية: كيف يمكن بناء توافق وطني دون مشاركة جميع الأطراف؟

الانتقال إلى النظام البرلماني: تحول جذري في بنية الحكم

تتصدر فكرة الانتقال إلى النظام البرلماني طاولة النقاشات، ليس باعتبارها مجرد تعديل إجرائي، بل كتحول استراتيجي في فلسفة الحكم. يرى المؤيدون أن هذا النظام سيعيد التوازن بين السلطات، حيث يمنح البرلمان صلاحيات أوسع في تشكيل الحكومة ومحاسبتها، مما يعزز الرقابة الشعبية ويحد من مركزية القرار. كما أن توسيع المشاركة السياسية عبر تمثيل أوسع للأحزاب والتيارات قد يسهم في تجاوز الاحتقانات السياسية المزمنة.

لكن الانتقال إلى هذا النموذج لا يمكن أن يتم دون مراجعة دستورية شاملة. فالدستور الحالي، الذي يقوم على نظام رئاسي قوي، يحتاج إلى تعديلات جذرية تحدد بدقة توزيع الصلاحيات بين رئيس الدولة والحكومة والبرلمان. هذه التعديلات يجب أن تكون واضحة لا لبس فيها، حتى لا تترك ثغرات قانونية تؤدي إلى صراعات مستقبلية أو شلل في المؤسسات.

المجتمع المدني وقوانين انتخابية أكثر شمولا

لا يقتصر النقاش على النظام البرلماني فحسب، بل يمتد إلى آليات تعزيز المشاركة السياسية بشكل عام. من المرجح أن تتضمن مخرجات الحوار بنودا تهدف إلى إصلاح المنظومة الانتخابية، وضمان نزاهة العمليات الانتخابية وشفافيتها. كما أن إشراك المجتمع المدني بشكل أوسع في الحياة السياسية سيكون أحد المطالب الأساسية، باعتباره رقيبا على الأداء الحكومي وممثلا لقطاعات واسعة من المواطنين.

تحديات الطريق: بين التوافق والاستفتاء الشعبي

رغم التفاؤل الذي يحيط بفكرة النظام البرلماني، فإن الطريق إليها محفوف بالتحديات. أبرزها الحاجة إلى توافق سياسي واسع لا يقتصر على النخبة فقط، بل يمتد إلى الشارع الموريتاني. أي تعديل دستوري كبير يجب أن يعرض على الاستفتاء الشعبي، ليقرر المواطنون بأنفسهم مصير نظامهم السياسي. وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف يمكن إقناع المواطنين بأهمية هذا التغيير، خاصة في ظل تجارب سابقة ربما تكون قد تركت انطباعات سلبية عن العمل السياسي؟

كما أن هناك تحديات أخرى تتعلق بمدى استعداد الأحزاب والمجتمع المدني لاستيعاب هذا التحول. فالنظام البرلماني يتطلب ثقافة سياسية متقدمة، وقدرة على التحالفات والتسويات، وهو ما قد لا يتوفر بسهولة في بيئة سياسية مشحونة بالخلافات.

يقف الحوار الوطني الموريتاني اليوم على مفترق طرق تاريخي. إذا ما أدير بنزاهة وشفافية، وبمشاركة جميع الفاعلين، فقد يتحول إلى منصة حقيقية لصياغة مستقبل سياسي أكثر استقرارا وتمثيلا. الانتقال إلى النظام البرلماني ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق حكم أفضل، وتوازن بين السلطات، ومشاركة أوسع للمواطنين. لكن نجاح هذا المسار يعتمد قبل كل شيء على الإرادة السياسية الصادقة، والالتزام بمخرجات الحوار، ووضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات حزبية ضيقة. فهل تنجح موريتانيا في اغتنام هذه الفرصة التاريخية؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.