محمد محمود محمد البشير
شكلت موضوعات العدالة أحد أكثر القضايا إثارة للنقاش في الفلسفة السياسية، لارتباطها بكيفية توزيع الفرص والثروات داخل أي مجتمع تعاقدي، ففي المجتمعات التي عرفت تفاوتات تاريخية أو اجتماعية أو اقتصادية، كان يتم اعتماد التمييز الإيجابي باعتباره آلية تسعى إلى تصحيح الاختلالات التي تمنع فئات معينة من المجتمع من التمتع بفرص متكافئة في التعليم والصحة والعمل.
في هذا السياق يقدم لنا جون راولز تصورا دقيقا لمفهوم العدالة، يقوم على مبدأ الإنصاف، حيث يرى راولز أن التفاوت لا يكون عادلا إلا إذا كان يصب في مصلحة الفئات الأقل حظا، الأمر الذي سيتيح مساحة موضوعية لتبرير سياسات التمييز الإيجابي على ضوء نظرية العدالة التوزيعية عنده.
ومن المعلوم أن جون راولز الذي شارك في الحرب العالمية كجندي تمكن من مشاهدة مساهمات الأمريكيين السود واطلع على واقعهم، حيث شاركوا كجنود في الحرب، ليتشاركوا مع غيرهم من الأمريكيين واقع الحرب وآلامها وويلاتها، غير أن هذه المشاركة لم تمنحهم الحق في المساواة في الحقوق مع غيرهم من الأمريكيين بعد الحرب، بل عادوا كمواطنين من الدرجة الثانية.
هذه المشاهدة العينية سمحت لراولز بأن ينطلق في طرحه من أنه على كل دولة بعد أي أزمة أو أي استقلال أن تعيد النظر في موضوع المساواة، فكيف يمكننا من هذا المنظور أن نعيد النظر في التفاوتات التي عرفها مجتمعنا إبان الاستقلال وبعده؟
لقد انطلق جون راولز في كتابه "نظرية العدالة" من فكرة ما يعرف بـ"الوضع الأصلي" أو "حجاب الجهل" وهي فكرة تقوم على تخيل أفراد ضمن مجتمع، يضعون مبادئ عامة لهذا المجتمع دون أن يعرف أيٌ منهم موقعه الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي في هذا المجتمع، ما يسمح للجميع باختيار مبادئ تضمن لهم الحماية في حال كانوا ضمن الأقل حظا، أو ما يمكن أن نطلق عليه في سياقنا السياسي الفئات المهمشة أو المغبونة تاريخيا.
هذه المنطلقات سمحت لراولز باستخلاص مبدأين أساسيين للعدالة يتمثلان في ضمان الحريات الأساسية المتساوية لجميع المواطنين، والسماح بوجود تفاوت اجتماعي بشرط أن يضمن تحقيق أكبر منفعة ممكنة للفئات الأقل حظا، مع ضمان تكافؤ الفرص أمام الجميع، وقد عرف المبدأ الثاني بـ"مبدأ الفرق" وهو الأساس الذي يمكن أن تستند إليه سياسات التمييز الإيجابي في سياقنا المحلي.
إن التمييز الإيجابي بهذا المعنى هو منح امتيازات أو لنقل إجراءات خاصة لفئات معينة من المجتمع تعرضت للإقصاء أو الحرمان والظلم التاريخي(العبودية ومخلفاتها)، وذلك بهدف إزالة آثار هذا التمييز وتحقيق مساواة فعلية في الفرص، وأعتقد أنه من البداهة بمكان أن نقول إن ذلك لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال تفضيلا دائما لهذه الفئات، إنما هو تدبير مؤقت لتصحيح اختلالات قائمة جراء واقع اجتماعي وتاريخي.
إن المساواة الشكلية وحدها لا تكفي لتحقيق العدالة كما يخبرنا بذلك جون راولز، لأن أفراد مجتمع متعدد وبخلفيات اجتماعية تراتبية بعضها يعيش واقعا مغايرا للبقية لا يمكن أن ينطلق أفراده من نفس الظروف، أو ما نساويه المساواة، لذلك يجد منح دعم إضافي للفئات المحرومة وجاهته من حيث الانسجام مع "مبدأ الفرق" إذا ما سلمنا بكونه سؤدي أوضاع هذه الفئات ويعزز العدالة الاجتماعية، وكرس المبادئ العامة للدولة الوطنية.
وبالمحصلة فإن العدالة لا تتحقق بالضرورة بمجرد المساواة القانونية، بل تستلزم أحيانا - وهو الغالب باعتقادي- توفير شروط فعلية تكفل تكافؤ الفرص، وتمنح الفئات الهشة والأقل حظا الوسائل اللازمة لتحسين أوضاعها، باعتبار سياسات التمييز الإيجابي بمثابة الأداة المشروعة للدولة تحقق من خلالها العدالة التوزيعية، شريطة أن تكون مؤقتتة وعادلة وشفافة وموجهة لخدمة الصالح العام، من خلال تمكين هذه الفئات وتحقيق العدالة المنشودة.
