أقددم عدد من الدكاترة المتعاونين مع مؤسسات التعليم العالي في موريتانيا قبل يومين على إحراق شهاداتهم العليا احتجاجا على ما يصفونه بـ"عدم اعتبارها"، وذلك بعد شهر من الاعتصام أمام مباني الوزارة الأولى.
إنها خطوة تترجم مدى اليأس والغبن الذي يتعرض له من بذلوا زهرة شبابهم في طلب العلم لسنوات طوال، وكان جزاؤهم التهميش الرسمي والتنمر المجتمعي.
مفارقة كبيرة ومؤسفة نعيشها في موريتانيا؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه السلطات للإقبال على التعليم، وتعلن المسابقات وتبحث "ظاهريا" عن الكفاءات من خلالها باعتبارها المعيار الأوحد للتوظيف النزيه وتكافؤ الفرص، نجد البعض يتم تعيينه بـ"القفز المظلي البعيد " بواسطة اعتبارات ضيقة لاعلاقة لها بالدراسة والشهادات .
من الصعب إقناع الكثيرين بجدوى الدراسة والشهادات في واقع "لاتسمن فيه الشهادة أو تغني من جوع" فكم من موظف في رتبة دنيا يحوز من الشهادات الكثير، ويرأسه من قفز للمناصب العليا بالوساطة والأطر الضيقة ليبتلع هو مرارة هذا الواقع المخزي !
وكم من موظف ترقى في مدارج المعرفة والأخلاق، يديره تلميذ فاشل سبق وأن طرده من مقاعد الدراسة أيام كان يدرسه، فلعبت اليد الخفية للاعتبارات الضيقة لصالح التلميذ الفاشل وعين مديرا لتلك المؤسسة، وبقي الأستاذ الصبور المثابر يراوح مكانه في التهميش.
تحكى الكثير من القصص عن موظفين جاءت بهم " الوساطة" والأطر الضيقة وهم بلامستوى معرفي واحتلوا مناصب ووظائف مازال أصحابها الحقيقيون يتسكعون في الشارع ببساطة لأن "لعنة" عدم الوساطة و استخدام الأطر الضيقة حلت بهم .
كلما سعت الدولة للتحقق من مصداقية شهادات الموظفين "خرج مارد من قمقمه" وأوقف العلمية، وهذا يتناقض تماما مع توجه السلطات العليا المعلن الذي تسعى من خلاله لرقمنة المسابقات الوطنية والشهادات، باعبتار ذلك ضروريا لمصداقية وفعالية لعمل بالإدارة .
ختاما: "كلام الليل يمحوه النهار" يصدق هذا المثل على واقع حملة الشهادات ببلادنا ففي حين تعدهم الدولة بفرص العمل جهارا، تأتي الأطر الضيقة وتقضي على ذلك الوعد "سرا" مستغلة ضعف احترام القانون، وفوضى التعيينات، في كل إدارت البلد وسياساته .
