سيدنا ولد السبتي
ليس بين عام 2011 واليوم خمسة عشر عاما فحسب، وإنما بينهما أمة كانت تستحي، وأمة تكاد تستحي من حيائها. بينهما مجتمع كان يعد الستر شرفا، فإذا به اليوم يراه عند بعض الناس قيدا، وكان يعتبر الحياء زينة النفوس، فإذا به في زمن الضجيج يوشك أن يصنف في عداد الضعف والتخلف.
لقد تبدلت الأحوال حتى غدا المرء يخيل إليه أنه يعيش في زمنين لا في زمن واحد؛ زمن كانت فيه القيم هي التي تصنع المكانة، وزمن أصبحت فيه المكانة تصنعها المشاهدات، ويتحدد فيه وزن الإنسان بعدد المتابعين، لا بمقدار علمه، ولا بسمو خلقه، ولا بعظمة رسالته.
أتذكر بدايات وسائل التواصل الاجتماعي، يوم كانت صورة واحدة لفتاة تهز أركان أسرة بأكملها، فيهب الأب، ويتحرك الأخ، ويسارع الأقارب إلى حذفها من كل مكان، لا لأن الصورة جريمة، ولكن لأن الحياء كان حيا في النفوس، ولأن الناس كانوا يدركون أن السمعة إذا خدشت لا يعيدها اعتذار، وأن الشرف إذا استبيح لا يجبره ندم.
أما اليوم، فقد انكسرت الحواجز، وسقطت الأسوار، واقتحمت الشاشات البيوت بلا استئذان، ودخلت غرف الأبناء والبنات، لا تحمل إليهم المعرفة وحدها، بل تحمل معها كل غثاء الأرض، حتى أصبح المنكر يعرض على الملأ في بث مباشر، وأصبحت الجرأة على الفضيلة مدعاة للسخرية، بينما الجرأة على الحياء باب واسع إلى الشهرة.
إن أخطر ما أصاب مجتمعاتنا ليس انتشار المنصات الرقمية، فالتقنية لا أخلاق لها، وإنما الأخلاق أخلاق مستخدميها، ولكن الكارثة أن تتحول الشهرة إلى غاية مجردة، وأن يصبح الوصول إليها مبررا لكل تجاوز، حتى رأينا من يبيع خصوصيته، ومن يتاجر بجسده، ومن يجعل بذاءة اللسان صناعة، واستفزاز الذوق العام وسيلة، وإثارة الغرائز مشروعا استثماريا يدر الأموال ويجلب الأضواء.
ثم نشأت طبقة جديدة من المشاهير، لا صنعتها إنجازات علمية، ولا أعمال وطنية، ولا إسهامات فكرية، وإنما صنعتها الخوارزميات، وروج لها اقتصاد المشاهدات، حتى غدا بعض من يطلق عليهم لقب "الفاشنستا" يتصدرون المشهد، ويؤثرون في أذواق الناشئة وسلوكهم، بينما يتراجع العلماء والمربون والمثقفون إلى الصفوف الخلفية، وكأن زمن الفكر قد ولى، وحل محله زمن الاستعراض.
وليس أشد مرارة من أن يبلغ الخلل حدا تصبح معه بعض الجهات الرسمية أو الخاصة تتسابق إلى تكريم أصحاب الشهرة المجردة، فتمنح المنابر لمن لم يقدموا للمجتمع إلا مزيدا من الضجيج، وكأن عدد المتابعين أصبح شهادة كفاءة، وكأن الانتشار صار بديلا عن الرسالة، وكأن التصفيق يغني عن القيمة.
فأي رسالة تبعثها أمة ترفع من شأن من اشتهر بالابتذال، بينما يغيب عنها أصحاب الفكر والعلم والاختراع والتضحية؟ وأي مستقبل ينتظر جيلا يرى أن طريق المجد يمر عبر شاشة هاتف، وأن أقصر الطرق إلى الثراء هو هدم الحواجز التي شيدتها الأديان، ورسختها الأعراف، وصانتها المروءات؟
ثم أين الدولة من هذا كله؟
أين السياسات التي تحمي المجال الرقمي من الفوضى الأخلاقية؟ وأين التشريعات التي توازن بين صون الحريات وحماية المجتمع من المحتوى الضار؟ وأين البرامج التي تغرس في الناشئة ثقافة الاستخدام المسؤول للتقنية؟
وأين دور المؤسسات الدعوية والتربوية والثقافية؟ إن رسالتها لا ينبغي أن تقتصر على الخطب الموسمية، بل يجب أن تكون حاضرة حيث يوجد الناس، تخاطبهم بلغتهم، وتنافس المحتوى الهابط بالمحتوى الراقي، وتبني الوعي قبل أن تستفحل الأزمة.
إن القضية ليست حربا على الحداثة، ولا رفضا للتقنية، وإنما هي معركة على هوية المجتمع. فالأمم لا تفقد نفسها دفعة واحدة، وإنما تتآكل من الداخل حين يصبح القبيح مألوفا، والجميل غريبا، والمنكر مادة للترفيه، والحياء مثارا للاستهزاء.
وحين يعتاد الناس رؤية كل شيء، يفقدون القدرة على إنكار أي شيء، وعندها لا تكون الكارثة في سقوط قيمة بعينها، بل في سقوط الإحساس بالقيمة نفسها.
إن الأمم التي حافظت على تماسكها لم تفعل ذلك لأنها امتلكت أحدث الهواتف، ولا لأنها سبقت غيرها في عدد المنصات، وإنما لأنها أدركت أن الأخلاق هي السور الأخير، فإذا انهار السور، لم يبق بعده ما يحمي البيوت، ولا الأسر، ولا الأوطان.
فيا أصحاب القرار، ويا أرباب الفكر، ويا حملة الأقلام، ويا الآباء والأمهات، اتقوا الله في الأجيال القادمة. لا تتركوا أبناءكم أسرى لشاشات تصنع لهم أوهاما، وتعيد تشكيل عقولهم على مقاس التفاهة، ولا تسمحوا بأن يصبح الابتذال ثقافة، والعري فنا، وبذاءة اللسان شجاعة، والشهرة بديلا عن الشرف.
فإن الأمم لا تموت يوم يضعف اقتصادها، ولا يوم تقل مواردها، وإنما تبدأ رحلة السقوط يوم يسقط الحياء من قلوب أبنائها، ويصبح الضمير صامتا، وتغدو القيم سلعة رخيصة في سوق المشاهدات.
