أدرجت دراسة أمريكية حديثة نشرتها مجلة "Texas National Security Review" موريتانيا ضمن الحالات القليلة التي نجحت في احتواء التمدد المسلح بغرب إفريقيا، إلى جانب كوت ديفوار، في مقابل فشل دول أخرى في تحويل الضغط العسكري إلى أمن مستدام، رغم ضخ الموارد وتوسيع الانتشار العسكري وعقد الشراكات الأمنية.
وخصصت الدراسة لموريتانيا تحليلاً يبرز مكونات تجربتها، إذ جمعت البلاد بين الوحدات الصحراوية المتحركة وضوابط حدودية أكثر صرامة، والانخراط الديني، ودعم إعادة الإدماج، والجهود المبذولة لتوسيع الخدمات الأساسية في المناطق النائية.
وتُبرز الدراسة أن هذا المزيج هو ما جعل موريتانيا، إلى جانب كوت ديفوار، حالتين استثنائيتين في المنطقة، مشيرة إلى أن كوت ديفوار بدورها عززت انتشارها الحدودي وحسّنت قدرات الاستخبارات والمراقبة، وقرنت التدابير الأمنية بالاستثمار الاجتماعي في المجتمعات الحدودية الهشة.
وتخلص الدراسة إلى أن النموذجين لا يقدمان حلاً جاهزاً قابلاً للتطبيق عالمياً، لكنهما يثبتان أن نتائج أفضل ممكنة عندما تتجاوز الدول القوة الظرفية وتبني أنظمة أوسع تقلص هامش المناورة للمسلحين.
التعاون الموريتاني السنغالي: نموذج عملي
ينسحب هذا النجاح الموريتاني على مستوى التعاون الإقليمي، إذ أشارت الدراسة إلى التعاون بين موريتانيا والسنغال، بما في ذلك الدوريات المشتركة والتنسيق البحري والنهرية، كمثال على التعاون الفعال القائم على الاحتياجات الميدانية بدل التصاميم المؤسسية الشكلية.
وأوضحت أن أجدى أشكال التعاون الإقليمي هو ما كان محلياً ومدفوعاً بمشكلات محددة، مثل التنسيق على طول الممرات الحدودية الرئيسية بين مالي وموريتانيا والسنغال، حيث يثبت تبادل المعلومات والدوريات المشتركة والتواصل المباشر بين القوات المجاورة جدواه عندما يصبح روتينياً بما يكفي لسد الثغرات العملياتية بمرور الوقت، لا فقط عندما يولد استجابات أسرع.
المشكلة ليست ضعف القدرات بل عجز التحويل
وبعد أن استعرضت الدراسة الحالتين الناجحتين، انتقلت إلى تفسير الفشل الأوسع في المنطقة، مؤكدة أن المشكلة المركزية ليست مجرد ضعف القدرات، بل الفشل في تحويل الضغط العسكري إلى آثار سياسية وترابية دائمة. فالقوات الأمنية غالباً ما تواجه صعوبة في التحرك بسرعة، والتصرف بناءً على المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز المواقع المكشوفة، وحماية المدنيين، والبقاء في الميدان بعد انتهاء العمليات.
وتتفاقم هذه النقائص العملياتية بتشتت السلطة، وضعف اللوجستيك، وقصور التعلم المؤسسي، والإفراط في الاعتماد على القوة العسكرية، وعدم كفاية القدرات المدنية اللاحقة. وفي المقابل، تستغل جماعات مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" و"داعش الساحل" التنقل والتغلغل المحلي والحكامة القسرية والشبكات العابرة للحدود للبقاء وإعادة الدخول إلى المناطق المتنازع عليها.
خلل بنيوي وعدم توافق استراتيجي
يعزو التحليل هذا الوضع إلى ثلاث ديناميكيات متداخلة: الأولى بنيوية، حيث يخلق ضعف قدرات الدولة وتشتت السلطة والنزاعات المحلية غير المحلولة بيئات حاضنة للتوسع المسلح. والثانية عملياتية، حيث تعجز القوات الأمنية عن الجمع بين التنقل والاستخبارات واللوجستيك والتنسيق لمنع حرية حركة المسلحين وحماية المدنيين. والثالثة استراتيجية، حيث تعتمد ردود الدول والشركاء الدوليين بشكل كبير على القوة العسكرية دون ربط العمليات بحماية المدنيين والإدارة الفعالة وتسوية النزاعات المحلية.
وتشير الدراسة في هذا السياق إلى أن التحدي المركزي هو دمج التنقل والاستخبارات والتنسيق واللوجستيك والقيادة، إذ إن القوات التي تصل متأخرة أو تتحرك بشكل متوقع أو تتعزز ببطء أو تغادر بعد عمليات قصيرة تمنح الخصوم المتحركين مجالاً للانسحاب وإعادة التنظيم والعودة.
من المعلومات إلى الفعل: حلقة مفقودة
لا تقتصر المشكلة على ندرة المعلومات، بل تمتد إلى فشل تحويلها إلى فعل، إذ توجد الشذرات ذات الصلة موزعة بين الشرطة والاستخبارات العسكرية والجمارك والهجرة ووحدات الاستخبارات المالية والمجتمعات المحلية والشركاء الإقليميين، لكنها تبقى منفصلة مؤسسياً. وتقع أضعف نقطة في منتصف دورة الاستخبارات: المعالجة والتحقق والفرز والتفسير والتوزيع، حيث تتحول التقارير الخام إلى استخبارات قابلة للاستخدام أو تبقى جامدة. وترى الدراسة أن حماية المدنيين هي الآلية الرئيسية التي تتحول بها القوة إلى سلطة سياسية مستدامة، وليست قضية إنسانية ثانوية، فالمدنيون يحكمون على الدولة ليس بعدد العمليات التي تنفذها، بل بما إذا كانت قادرة على حمايتهم وتسوية نزاعاتهم والحفاظ على سبل عيشهم والبقاء بعد انتهاء القتال.
طريقة تسمح بالثبات والحماية
تخلص الدراسة إلى أن المعركة ضد الجماعات المسلحة في غرب إفريقيا لن تُحسم باستخدام القوة وحدها، بل بما إذا كانت القوة تُستخدم بطرق تخلق شروط استراتيجية سياسية قابلة للحياة. فحيث تستطيع الدول التحرك والثبات والحماية والحكم، تواجه الجماعات المسلحة قيوداً أضيق، وتصبح مسارات التسوية المستقبلية أكثر مصداقية.
وحيث تبقى هذه العناصر منفصلة، ستواصل الجماعات المسلحة استغلال الثغرات في التنقل والثقة والاستجابة، ما يجعلها لا تنجو فحسب، بل تنمو وتوسع تحدياتها لسلطة الدولة والأمن الإنساني. والمهمة إذن ليست القتال بأكثر قوة، بل القتال بطرق تسمح للدول بالثبات والحماية وبناء النفوذ اللازم لنتائج دائمة.
