محّم ولد الطيب/ كاتب وباحث
هناك لازمة دائما ما نسمعها جارية على ألسنة الكل، حتى باتت وكأنها حقيقة لا جدال في صحتها، فحواها أن "التعليم في موريتانيا فاسد".
والخطير في الأمر ليس فقط في الترديد الببغاوي لهذه العبارة الممجوجة؛ لأنها إن أخذت بشكل إيجابي يمكن اعتبارها مجرد رأي نقدي لمنظومة تعليمنا قصد الارتقاء به نحو الأفضل، وإنما تكمن المشكلة في أن من يرددون هذه اللازمة يطلقونها في الغالب جازمين أن التعليم لا سبيل إلى إصلاحه، متجاهلين أو جاهلين شبكة الأسباب التي أوصلت منظومتنا التعليمية لما هي عليه من التردي بحد زعمهم، والتي يعتبر المجتمع في طليعتها، وهو أمر يجعل التساؤلات التالية مشروعة: كيف يمكن الحديث عن إصلاح التعليم في ظل بيئة اجتماعية فاسدة؟ كيف يمكن بناء منظومة تعليمية صلبة في ظل بيئة تتعاورها بمعاول الهدم على الدوام؟ بل كيف يمكن إصلاح التعليم في بيئة اجتماعية تبجل المدرس نظريا وتحتقره عمليا؟
إن مسألة فساد التعليم تطرح جدلية عويصة يمكن بسطها كالتالي: هل المجتمع هو الذي أفسد التعليم بمسلكياته التي تتنافى مع العلم والتعليم؟ أم أن القائمين على التعليم بممارساتهم هم الذين أوصلوا التعليم إلى ماهو عليه من فساد بحسب زعم البعض.
لا ريب أن المتتع لواقع التعليم سيدرك بوضوح أن للمجتمع اليد الطولى فيما وصل إليه التعليم من ترد خطير وضعف المستويات لا تخطئه العين. ويتجلى ذلك من خلال بعض الممارسات والمسلكيات التي يقوم بها المجتمع و التي تقوض بدورها القيم، وتدمر مستقبل الأجيال، ومن أهم تلك المسلكيات نذكر على سبيل المثال لا للحصر:
أولا: شيوع للنظرة المادية لدى أفراد المجتمع الذين لم يعودوا ينظرون إلى التعليم إلا من خلال ما ينتج عنه من منافع مادية صرفة، لا بصفته أداة فعالة لأنسنة الإنسان وتهديب سلوكه وتقويم تفكيره.
ثانيا: تشجيع المجتمع لثقافة الغش في الامتحانات والمسابقات، دون الاكتراب لنداء الضمير والوازع الديني والأخلاقي في هذه القضية التي من شأنها أن تقوض كل أمل في الإصلاح مستقبلا.
ثالثا: المجتمع الموريتاني لا يحبذ رسوب أبنائه ويسعى لإنجاحهم بكل الوسائل حتى وإن كانوا لا يستحقون النجاح، بل يسعى بكل الحيل لإلحاقهم بالمستوى التالي وكأن الحضور وحده كافٍ لاستيفاء شروط النجاح واستظهار البرنامج ، وهذا أمر لا إصلاح ولا صلاح في ظله.
رابعا: إرسال الأبناء إلى المدارس الحرة لم يعد فقط من أجل التعليم وإنما من أجل التباهي بالمظاهر ، والفاتورة الباهضة يدفعها التعليم من خلاه شل فاعليته.
خامسا: استشراء ثقافة الوساطة في كل شيء وإسناد الأمور إلى غير أهليها مظاهر بشعة للفساد الذي يمارسه المجتمع على التعليم.
والمفارقة الملفتة أنه رغم المسلكيات المرضية التي يمارس المجتمع على مستوى التعليم والتي تساهم بشكل كبير في تدميره من الخارج، يبقى الجميع يعتقدون بدون شك أن فساد التعليم نابع الداخل، من القائمين عليه، وبالتالي يصبون عليهم جام غضبهم بصفتهم المسؤولين المباشرين عن فساد التعليم، والواقع أن المدرسين لا ذنب لهم سوى أنهم صنيعة بيئة اجتماعية لا تطمئن إلا لتعليم فاسد ضره أكثر من نفعه.
ولهذا أرى أنه بناء على ما سبق يجب تبديد فكرة أن التعليم فاسد، والاستعاضة عنها بأن المجتمع هو الفاسد و لا سبيل إلى إصلاحه إلا بتغيير عقليات المجتمع وعزل المنظومة التعليمة عن كل إكراهات المجتمع الذي يعيش على فساد التعليم، وعن السياسة، سياسة الدولة التي تعتمد للأسف على العشوائية وتغليب عامل الكم على الكيف في التعليم.
