شكل ملف إدارة النفايات والنظافة في نواكشوط إحدى أكبر المعضلات الحضارية والخدمية التي تواجهها السلطات والساكنة على حد سواء.
ورغم الاستعانات المتكررة بجهات وشركات متخصصة، وآخرها شركة "آرما" (ARMA) المفوض لها تدبير هذا القطاع، ظل المشهد العام يشهد تراكم القمامة في العديد من المقاطعات، حتى أصبحت تحاصر المدارس والمستشفيات.
إن الوقوف على أسباب عدم الوصول إلى التطلعات المرجوة في هذا الملف يتجاوز مجرد توجيه اللوم لجهة واحدة، بل يعود إلى تداخل عوامل هيكلية، وميدانية، وسلوكية متراكمة لعل أبرزها:
ـ التوسع العمراني السريع والنمو السكاني المرتفع:
تعد نواكشوط مدينة شاسعة وممتدة أفقياً على مساحات كبيرة. هذا التوسع العشوائي والنمو السكاني المتسارع زاد من حجم النفايات اليومية المنتجة، مما خلق ثغرات تتراكم فيها القمامة بسرعة؛
ـ ضعف غرس الثقافة البيئية ورمي القمامة العشوائي:
تُشير التقييمات الميدانية إلى أن سلوك الساكنة يلعب دوراً محورياً في نجاح أو فشل أي شركة يتم التعاقد معها لتنظيف نواكشوط، تتكرر ممارسات رمي النفايات خارج الحاويات المخصصة،أو إخراج القمامة بعد مرور شاحنات الجمع، إضافة إلى انتشار ظاهرة عمالة الأطفال في هذا الميدان على عربات الحمير. هذا الواقع يُرهق فرق النظافة ويجعل من الجمع عملية لا تتوقف ولا تظهر نتائجها المرجوة؛
ـ العوائق اللوجستية وتأخر التجهيزات:
تتطلب إدارة مدينة بحجم نواكشوط نشر آلاف الحاويات وتسيير العشرات من الشاحنات الثقيلة والكاسحات بشكل منتظم، وقد واجهت عمليات الجمع في بعض المراحل نواقص لوجستية وتأخراً في استكمال الأساطيل والتجهيزات التقنية اللازمة، مما أدى إلى بروز اختلالات في مواعيد التجميع ونشوء مكبات عشوائية داخل الأحياء السكنية والأسواق؛
ـ غياب فرز النفايات وآليات معالجة متطورة:
تعتمد الرؤية الحالية في العاصمة بشكل أساسي على نقل النفايات خارج العاصمة، دون الدخول في مراحل متقدمة لتدوير وفرز النفايات من المصدر.
هذا الضغط الكثيف على مكبات الطمر والجمع الأولي يقلل من نجاعة الخدمة ويجعل إدارة النفايات مقتصرة على الإزاحة والرفع التقليدي بدلاً من المعالجة المستدامة
إدارة النظافة تحتاج إلى شراكة وثيقة بين الشركات المنفذة، السلطات المحلية (البلديات والإدارة الإقليمية)، والمجتمع المدني. وغالباً ما تتسبب الفجوة في فرض عقوبات أو الرقابة المباشرة على المخالفات في تساهل السلوكيات الضارة بالبيئة العامة.
ختاما: لا يعود التعثر في تحقيق عاصمة خالية من القمامة إلى الفشل الإداري أو التقني لشركة بعينها فقط، بل هو فشل منظومة كاملة تحتاج إلى التوازن بين التطبيق الصارم للقوانين، واستكمال الجاهزية اللوجستية، وتغيير النمط السلوكي للمواطنين نحو الحفاظ على الفضاء العام كمسؤولية جماعية.
