«اليائس يبحث عن أي خيط»، بهذه الكلمات تبحث امرأة بين بطاقات هوية عن قريب لها، في سجن «فرع فلسطين» أحد فروع المخابرات العسكرية السورية في دمشق، بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد.
وقالت المرأة التي غطت وجهها بوشاح رمادي، لوكالة فرانس برس، إنها تفعل ذلك علها تصل إلى ما تريد وسط غرفة سوداء توزعت فيها آلاف الأوراق والملفات.
الآلاف فعلوا مثلها منذ الأحد الماضي حين فتحت أبواب السجون والمقرات الأمنية في مناطق مختلفة من سوريا، لا سيما سجن صيدنايا سيء السمعة، بعد سيطرة سيطرة فصائل المعارضة المسلحة على البلاد.
تحدي الألم والخوف
وفرغ «فرع فلسطين» أو الفرع 235 في المخابرات العسكرية، تماما من كلّ العناصر الأمنية التي كانت موجودة فيه منذ الأحد الماضي، لكنّ زواره الآن هم موقوفون سابقون جاؤوا تحديا للألم الذي عانوه هنا، أو تحديا للخوف.
وفيما تتبعثر البدلات العسكرية والأحذية عند مدخل سجن «فرع فلسطين»، عاد أدهم بجبوج (32 عاما) لزيارة زنزانته السابقة، وكان رقمها سبعة.
وقال الشاب المتحدر من درعا والذي سجن في 2019 لانشقاقه عن الجيش مع بداية خروج التظاهرات المناهضة للسلطة في عام 2011 «قيل لنا إن دخولنا هنا إلى (فرع) فلسطين، من الشرطة العسكرية، لن يتعدى السؤال والجواب، لكنني بقيت 35 يوما، أو 32 يوما، لم أعد أذكر، في الزنزانة هذه»
يقاطعه شقيقه الذي كان يقف قربه قائلا «دخل وزنه 85 كيلوغراما، وخرج 50 كيلوغراما».
وقال أدهم إن وظيفة القابعين في هذه الزنزانة تحديداً هي السخرة. وأضاف «كنا نخرج من الخامسة صباحا، نمسح الأرضيات، ننظف مكان التعذيب، نخرج الموتى من الزنزانات، ننظف الحمامات والمكاتب».
وأوضح أدهم النحيل الجسد أنه عاد إلى هنا الآن تحديا للخوف الذي كان يشعر به من هذه الأروقة. ويروي قائلاً: «بعدما خرجت من هنا… بتّ أخاف أن أمر من قربه، حتى لو كان على طريقي، أبدل الطريق وأختار طريقا أطول لكي لا أمر من أمامه».
ويتذكر اللحظة الأولى التي دخل فيها الفرع قائلاً «ضربونا ضربتين أو ثلاث بالكرباج… يحتاج المرء لعلاج يومين من بعدها من شدّة قوتها».
اليأس خلف القضبان
الصحفي محمد درويش (34 عاما)، قرر العودة بدوره إلى الزنزانة رقم تسعة حيث أوقف قيد التحقيق لأكثر من 120 يوما قبل سنوات، متحدثا عن «اليأس» الذي راوده خلف القضبان.
في الزنزانة الواقعة تحت الأرض في مبنى السجن الكبير المؤلف من طوابق عدة، تنتشر رائحة العفن ومياه الصرف الصحي الجارية في الأروقة بين الزنزانات. ولا نافذة تدخل الضوء من الجدران السوداء المليئة بالدبق في الغرفة الضيقة التي بالكاد اتسعت لأكثر من مئة شخص.
وهذا الفرع الذي يخشاه السوريون كثيراً، كان يستقبل خصوصا موقوفين بتهم الارهاب، لكنّ كثرا يدخلونه على قيد التحقيق وتنقطع أخبارهم تماما عن ذويهم.
ودخل درويش إلى السجن في فرع فلسطين لمدة 120 يوما قيد التحقيق في العام 2018 بتهمة «تمويل الإرهاب بالمعلومات، والترويج للإرهاب».
البقعة الضيقة
وفي الزنزانة رقم تسعة، يتذكّر البقعة الضيقة التي حجز فيها مع خمسين آخرين لإصابتهم بالسلّ.
كما يتذكّر الشاب التركي الذي كان موقوفا معهم وأصيب بالجنون على حدّ قوله من كثرة الضرب.
ويروي الشاب قائلاً: «أنا من أكثر الأشخاص الذين حققوا معهم، لأن تهمتي بالنسبة لهم كانت كبيرة جدا، تهمة الإعلام، كانوا يحققون معي مرة في الصباح ومرة في المساء».
وأضاف «كانوا يقولون لي إن المسلح برصاصة يقتل شخصا واحدا، بينما أنا بكلمتي أقتل الآلاف»، بينما يقول إنه كان يصور تقارير عن الواقع الخدمي في دمشق.
وبعدما نقل إلى سجن آخر، خرج بعد عام وأكثر من «التوقيف العرفي» ويصف الشعور خلف القضبان «بشعور فقدان الأمل واليأس، عندما يغلقون هذا الباب عليك، تفقد الأمل بالغد، هذه البقعة شهدت مآسي، عائلات فقدت معيلها فقدت أبوها فقدت أخوها».
وتابع «يكفي كنتيجة لهذه الثورة كلها، إنهاء الاعتقال القسري والعرفي من دون أي تهمة واضح».
كانت مأساة
وقال وائل صالح (42 عاما) الذي جاء أيضا لزيارة زنزانته رقم تسعة «جرّموني بالإرهاب، حتى اللحظة أنا مجرم بالإرهاب».
وأضاف الرجل فيما حدّق بسجنه السابق «كانت مأساة، حتى هذه اللحظة أتذكر الأيام التي كنا فيها هنا، كنا 103 أشخاص، كنا نقف نحن ونترك الكبار في السن ينامون».
في الطابق الأعلى، «غرف التعذيب» كما يصفها السجناء السابقون، وهي غرف معتمة رمادية، على أحد جدرانها نافذة زجاجية كبيرة.
في الجناح الآخر من المبنى الضخم، مكاتب وغرف الضباط والمسؤولين التي حرقت بالكامل، حيث تنبعث رائحة دخان قوية من المكان الذي خلّعت أبوابه وتحوّل أثاثه إلى رماد.
وفي غرفة بالكاد فتح بابها، تظهر رفوف وزّعت عليها آلاف الأوراق المحروقة التي يعتقد زوار المقر أنها أوراق مهمة وسرية أحرقها المسؤولون قبل فرارهم.
وقرر آخرون زيارة السجن للبحث في الوثائق والأوراق والملفات التي تركت فيه علّهم يجدون قريبا لهم فقد في السجون السورية ولم يسمعوا عنه خبرا، كما فعل كثر منذ سقط حكم حزب البعث قبل أيام.