«برائحة الموت».. أجواء الحزن تخيّم على احتفالات عيد الميلاد

 

يحتفل ملايين المسيحيين، اليوم الأربعاء، بعيد الميلاد الذي تخيّم عليه هذا العام، الحروب في قطاع غزة ولبنان وسوريا وأوكرانيا وأنحاء أخرى من العالم. 

وفي الفاتيكان، من المتوقع أن يجدّد البابا فرنسيس دعواته للسلام في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، خلال القداس الذي سيقام اليوم عند الساعة 11,00 بتوقيت غرينتش. 

وأمس الثلاثاء، أطلق البابا سنة 2025 اليوبيلية في الكنيسة الكاثوليكية، وهي مناسبة دولية للحج إلى روما، حيث من المتوقع أن يشارك فيها أكثر من 30 مليون مؤمن من جميع أنحاء العالم. 

وأمام جمع من الأساقفة والكرادلة والمسؤولين، فتح البابا «الباب المقدّس» لكاتدرائية القديس بطرس، في ما يمثّل رمزا لافتتاح هذا «اليوبيل العادي». 

ثمّ ترأس قداس ليلة عيد الميلاد في الكنيسة، حيث دعا المؤمنين إلى التفكير «في الحروب، وفي الأطفال الذين يتعرّضون لإطلاق النار، والقنابل التي تستهدف المدارس والمستشفيات»، في إشارة ضمنية إلى الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة. 

«عيد ميلاد برائحة الموت»

في مدينة بيت لحم مهد المسيحية، تجمّع مئات المصلّين داخل وخارج كنيسة المهد. 

وقال رئيس بلدية بيت لحم أنطوان سلمان لفرانس برس «هذا العام قلصنا طقوس الفرح، نريد التركيز على الواقع الفلسطيني ونظهر للعالم أن فلسطين لا تزال تعاني من الاحتلال الإسرائيلي، لا تزال تعاني من الظلم». 

 

وتعيش المدينة أجواء حزينة بسبب الحرب في غزة والأوضاع المتوترة في الضفة الغربية، مع غياب شجرة الميلاد وندرة الحجاج، الأمر الذي يعكس حالة الحزن والقلق التي تسيطر على المدينة.

وقد رصد مراسل الغد من بيت لحم، رائد الشريف، الأجواء الحزينة التي تخيم على مدينة مهد السيد المسيح بسبب الأوضاع الراهنة في فلسطين، حيث تعيش المدينة حالة من الحزن للعام الثاني على التوالي، وقد غابت شجرة الميلاد التي لم تغب منذ عام 1994، جراء الحرب الدائرة في غزة وتصاعد العنف في الضفة الغربية.

وأشار الشريف إلى انخفاض أعداد الحجاج المسيحيين الذين اعتادوا زيارة بيت لحم، إذ كانت تستقبل سنوياً حوالي 3 ملايين سائح، إلا أن الأعداد الحالية لا تتجاوز 3% منهم، بسبب الأحداث الجارية. وقد اقتصرت الاحتفالات هذا العام على الشعائر الدينية، في ظل غياب مظاهر الفرح، حيث مرت الفرق الكشفية بصمت.

وأكد الشريف أن الأجواء الاستثنائية هذا العام لم تشهدها المدينة منذ عقود، إذ اختفت الابتسامة عن وجوه الفلسطينيين والحجاج على حد سواء. كما أشار إلى استمرار منع المسيحيين من قطاع غزة من دخول بيت لحم خلال السنوات الماضية تحت ذرائع أمنية، وهو ما تفاقم هذا العام بسبب الحرب.

الابتعاد عن المظاهر الاحتفالية

وعادة ما تضاء شجرة ميلاد كبيرة في ساحة المهد في وسط المدينة الفلسطينية الواقعة في الضفة الغربية المحتلة، وحيث الكنيسة المقامة في الموقع الذي يؤمن المسيحيون بأن يسوع المسيح ولد فيه. 

لكن السلطات المحلية فضّلت الابتعاد عن المظاهر الاحتفالية الكبرى للعام الثاني على التوالي. 

وفي بداية فترة ما بعد الظهر، شهدت المدينة عرضا للكشافة حمل خلاله بعض المشاركين لافتات كُتب عليها «أوقفوا الإبادة في غزة الآن» و«يريد أطفالنا بأن يلعبوا ويضحكوا». 

وسار وراءهم بطريرك القدس للاتين بييرباتيستا بيتسابالا الذي عاد من غزة ليترأس قداس منتصف الليل. وقال في عظته باللغة الإنكليزية «أريد أن أشكر إخواننا وأخواتنا الأعزاء في غزة، الذين زرتهم للتو». 

وأضاف: «إنهم علامة حقيقية للأمل وسط الكارثة والدمار الشامل الذي يحيط بهم».

وتابع البطريرك «للسنة الثانية على التوالي، إنّه عيد ميلاد حزين بالنسبة إليكم أيضا»، مضيفا «ولكن السنة المقبلة، سيكون عيد الميلاد في بيت لحم مليئا بأشجار التنوب والحجاج». 

القدس بلا احتفالات

ومن القدس المحتلة، رصدت مراسلة الغد، رازي طاطور، أجواء الاحتفالات في الميلاد، قائلة إنها تغيب عن أرض الميلاد، وأشارت أنه للعام الثاني على التوالي لا احتفالات، ولم تضئ شجرات الميلاد، وأيضاً كذلك حتى المسيرات الكشفية التقليدية السنوية غابت أيضاً هذا اليوم عن مدينة القدس.

ولفتت إلى أن الأمر اقتصر فقط على الصلوات، وعلى الشعائر الدينية. بالتالي أيضاً لم نشاهد كما جرت العادة الأولاد بحلة العيد بملابسهم الجديدة. كل هذه الأجواء غابت عن مدينة القدس.

وأشارت إلى أن حي النصارى، الذي كان مكتظاً طوال الأعوام الماضية قبل السابع من أكتوبر، عملياً كانت أبوابه مغلقة خلال هذا اليوم. وكان هذا نزولاً عند قرار مجمع الكنائس والمرجعيات الدينية في مدينة القدس باحترام أوجاع غزة، بالتأكيد على وحدة المصير بأن تقتصر فقط الطقوس على الشعائر الدينية.

 

وأكدت أن ذلك بعث رسائل من هنا من مدينة القدس بأن لا احتفالات وغزة تباد، وأن المكون المسيحي من مدينة القدس هو جزء أصيل أساسي من الشعب الفلسطيني. وهذا ما تؤكد عليه المرجعيات الدينية المسيحية في مدينة القدس لأنها أيضاً عانت ما عانى كافة أقطاب الشعب الفلسطيني.

من جانبه، قال هشام مخول، أحد سكان القدس، الذي كان موجودا في بيت لحم، إنّ «ما نمرّ به صعب للغاية ولا يمكننا تجاهله بالكامل»، مشيرا إلى «هروب» مؤقت ممّا يحدث. في قطاع غزة المدمّر، تجمّع مئات المسيحيين في كنيسة العائلة المقدّسة في مدينة غزة (شمال) لحضور قداس ليلة عيد الميلاد. 

وقال جورج الصايغ (49 عاما) الذي نزح إلى كنيسة القديس برفيريوس العائدة إلى القرن الثاني عشر «هذا العيد مكسو بالحزن ورائحة الموت والدمار والخراب، لا أجواء ولا بهجة. لا نعرف.. من سيبقى حيا للعيد القادم».

تنديد بقسوة إسرائيل

كان بابا الفاتيكان قد ندّد خلال الأيام الماضية بـ«القسوة»، الأمر الذي أثار احتجاجات دبلوماسية من جانب إسرائيل. 

من جانبه، تعهّد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، في كلمة للمسيحيين الثلاثاء، محاربة «قوى الشر». 

وفيما تقاتل بلاده على عدّة جبهات منذ بدء الحرب في قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، خاطب نتانياهو المسيحيين في جميع أنحاء العالم قائلا «لقد وقفتم إلى جانبنا بثبات وقوة بينما تدافع إسرائيل عن حضارتنا ضد الوحشية». 

سوريا: العيد عيدين

وفي سوريا، رصدت الصحفية سلافة شحادي، للغد الأجواء في عيد الميلاد، لافتة إلى أن المشهد لا يختلف كثيرًا عن باقي المدن العربية، وخاصة دول الجوار.

وقالت: «هناك فرقًا واحدًا فقط هو انتصارات الثورة وانتصار سوريا وولادتها الجديدة. هذا الأمر الذي ربما هو الذي انعكس إيجابًا على الشارع السوري».

وأضافت: «الاحتفالات اقتصرت على الصلوات والشعائر الدينية والقداديس. هناك من تحدث عن توجيهات من قبل المطارنة بعدم المغالاة بالاحتفالات، وعدم المغالاة بالزينة، وبالإجماع بشكل عام. فأصحاب العيد غائبون عن الساحة إلا ما نذر».

ولفتت: «معظم الذين تواجدوا هنا من الطوائف السورية الأخرى ما نذر كانوا من أصحاب العيد المسيحيين. ربما هي توجيهات، كما سمعنا من بعض أصحاب العيد المسيحيين الذين كانوا يجولون هنا في بعض الشوارع وبعض الأحياء».

وأكدت أن: «البعض تحدثوا بأن الجو لا يزال غامضًا بالنسبة لهم، أو لا يشعرون بالأمان، خاصة في ظل ما شهده اليومين الماضيين في بعض المدن السورية ربما بخروقات تجاه بعض المحافظات والمدن ذات الطائفة المسيحية وهو ما انعكس على المشهد اليوم هنا في دمشق».

وأشارت إلى التواجد الأمني الملحوظ في الشارع، قائلة: «لم يلحظ أي خروقات أو أي اعتداءات أو إجراء غير أمني أو سليم. الجميع من تواجد هنا احتفل وشارك مع من كان موجود من المسيحيين في هذه الساحة، واحتفلوا معهم».

وأضافت: «لقد دمج السوريون العيدين، بعيد واحد كما قالوا. يعني هم اليوم يحتفلون  بعيد الميلاد وبالنصر، وبحريّة سوريا. الجميع عبر عن ارتياحه بالوضع الحالي بشكل عام، باستقلال سوريا كما سموه، يعني من الطغيان ومن الظلم والاستبداد الذي كانت تعيشه خلال السنوات الماضية».