صيدو همات انلل ناشط سياسي مهتم بالقضايا الوطنية و الدولية
لنكن عقلاء…فالقضية أعمق من صراع شرائحي وعليه ، من الواجب أن نتحلى بالعقل والحكمة حتى لا نسقط في فخ الصراع الشرائحي، الذي أراه مجرد أداة إعلامية دعائية أو البروباغندا هدفها إشغال الرأي العام عن القضايا الوطنية الجوهرية.
نعم، لا يختلف اثنان على أن هناك حالة عامة من التهميش والإقصاء تطال معظم فئات الشعب الموريتاني، نتيجة لاحتكار فئة معينة لمفاصل الدولة وثرواتها. هذا تشخيص حقيقي. لكن السؤال الأهم: من هي هذه الفئة؟ ومن أي مكون اجتماعي؟
هنا نصل إلى بيت القصيد. لأن قضية الحراطين ليست مجرد قضية تهميش كغيرها، بل هي مأساة تاريخية متجذرة في بنية المجتمع ،هذه شريحة عاشت سنوات من العبودية بمختلف أشكالها، وتعرضت لهدم منهجي لهويتها، وتجهيل ممنهج، وتفقير متعمد و عليه الحديث عن معاناتهم لا يمكن أن يقارن أو يختزل في سردية التهميش العام، بل هو ظلم مركب ومستمر.
لكن للأسف، بدلا من أن تنصب الجهود على تفكيك هذه المظالم ومعالجتها بصدق، ظهرت إشكالات داخلية معرقلة، أولها أن بعض من تصدروا النضال باسم الحراطين، حولوا القضية إلى وسيلة للترقي الاجتماعي، أو لبناء مجد شخصي قائم على شعارات خاوية ، لم يكن هدفهم التغيير الحقيقي، بل الوصول إلى المناصب أو تأسيس حركات نضالية شكلية.
وثانيها أن بعض مثقفي الشريحة للأسف انساقوا خلف وهم التقرب من السلطة، ورضوا بأن يكونوا مجرد أدوات داخل آلة النظام، في مقابل نصيب من النفوذ أو الامتيازات.
إضافة إلى ذلك، ما زالت النظرة الدونية للحراطين راسخة في البنية الاجتماعية الموريتانية، وما زالت مظاهر العبودية تمارس وإن بأشكال أكثر حداثة ، سواء على المستوى الاقتصادي أو الإداري أو حتى القضائي.
لكنني أؤمن أن الخلاص لن يأتي من الخارج، ولا من الشعارات، بل من الداخل… من وعي حقيقي وراسخ بجوهر المشكلة وأبعادها. وهذا الوعي لن يأتى إلا من خلال التعليم لان التعليم هو مفتاح التغيير، وهو السلاح الوحيد الذي يمكنه أن يحرر الحراطين من سلاسل الماضي، ويمنحهم القدرة على بناء واقع جديد يليق بإنسانيتهم.
الحركات النضالية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تقترن برؤية واعية، واستراتيجية تستند إلى تثقيف الإنسان الحرطاني وتحريره من الداخل، قبل المطالبة بتحريره من الخارج.