بقلم: محمد ولد سيدناعمر
تجلس أمام سيل الأوراق والمخطوطات العتيقة، بملامح تُشرقُ بالتحدي وتتلفّعُ بالصرامة، وكأنها حارسةٌ أمنية على ثغورِ التاريخ الأدبي.
تخوضُ الباحثةُ والشاعرّة المغربية فاطمة بوهراكة عُبابَ المعاجم ولُجَجَ القصائد، تُمسكُ بيراعها الساحرِ لتسحبَ الأدباءَ والشعراءَ من دهاليزِ العتمة والنسيان، وتنقش أسماءَهم بأحرف من نور على جدارِ الذاكرةِ العربية.
إنها ليسَتْ مجرّد رحلة توثيقٍ عابرة، بل تغريبةٌ روحيةٌ طويلة على شطآنِ الكلمة، بينَ مهامهِ التاريخِ المتراميةِ عبرَ جغرافيا الوطن العربي؛ أبحرتْ فيها بوهراكة تحتَ أضواءِ الشغفِ وفي قلبِ المحافل الإبداعية، يحملُها إيمان عميقُ ومهمّة نبيلة: أن تُعيدَ لقطارِ التوثيقِ الأدبيّ بهجتَهُ وسِكَّتَهُ الصحيحة.
في أحضانِ "فاس".. حيثُ يَتنفّسُ التاريخُ شِعراً
لم تكُنْ نشأةُ بوهراكة في مدينة "فاس" العريقة مُجرّد مصادفةِ جغرافية، بل كانتْ تعميداً أبدياً في محراب الثقافة والأصالة. هناك، في العاصمةِ الروحيةِ للمملكة، حيثُ تهمسُ الجدرانُ بالقصائد، وتتداعى أصداءُ الأذانِ المنسكبةِ من المآذن الشامخة، تنفّستْ فاطمة عبق الأسواق القديمة والمكتبات المترعة بالمخطوطات.
شربتْ من الفنّ المعماريّ الإسلامي الراقي سِحْر التناسق، ومن أزقّةِ فاس التاريخية المصنفة تراثاً إنسانياً عالمياً حِسّ الخلود.
في كنف أسرةٍ متوسطةِ الحال، امتدّتْ طفولتُها هادئة كجدول ماء، لكن المراهقةَ سُرعانَ ما أشعلتْ في روحها فتيل التمرّدِ الجميل.
رفضتْ بالنظرةِ الصارمة كل تقطيرٍ أو تقليلٍ من شأنِ المرأة، ففاضَ تمرّدُها العارمُ شعرا وهي في ربيعها السابع عشر.
ورغمَ أنف المعارضة الصارمة التي أبْدَتْها والدتُها- خوفاً عليها من وهجِ الشعر ومتاعبه - اختارت فاطمة أن تتّخذ من الحبر ملاذا، ومن القلم صوتا لا يبح.
جهادُ التوثيق..إبحار في عواصف "النسخ واللصق"
مع استكمال دراستها الجامعية، تحوّل التمردُ الشاعريُّ إلى منهج بحث واستقصاء.
جابتْ بوهراكة الأمصار، ونقّبتْ في أضابير المكتباتِ المظلمة، وفكّتْ طلاسمَ الحروف لتُؤرّخَ للإبداعِ العربي بصرامةِ العلماء وشغفِ الشعراء.
تُوّجت مسيرتُها بأربعة دواوين شعرية تنبضُ بالإنسانية والوجدانيات، وسافرتْ كلماتها إلى أكثر من سبعِ لغات عالمية، حاصدة الدروعَ والأوسمة في كلّ محفل.
غير أن الأثر الأكبر لجهدها تجلّى حينما ثارتْ على "فوضى التوثيق المعاصر"؛ ذلك الواقعِ الرخيص الذي اختزل التوثيق في "عملياتِ نسخٍ ولصقٍ" عشوائية عبر الشبكة العنكبوتية، دون تمحيصٍد أو تدقيق.
ولجتْ عالمَ السير الذاتيةِ كمن يخوضُ بحراً تتلاطمُ فيه أمواجُ المزيّفين وانتحالُ الصفات، فشمّرتْ عن ساعد الصبر، وشرعتْ تُغربلُ الزّبد ليبقى ما ينفعُ الناس، مُحوّلة مرارة التفتيش عن الحقيقة إلى منجزات موسوعية خالدة.
تشريحُ الجرح.. رؤيةٌ نقديّة بلسانٍ حُرّ
تُمثّلُ فاطمة بوهراكة المثقفَ العُضويّ الذي لا يخشى قولَ الحقيقةِ في زمنِ المساومات.
تعكسُ بجرأةٍ مرارةَ الراهن الثقافي العربي حين تقول:
"ليس هناك تخطيط ثقافي بالمعنى الصحيح، وإنما هي فرقعات يفتعلها السياسيون هنا وهناك لإثارة الانتباه، متى ما احتاجوا للثقافة كمسحوقِ تجميلٍ لا أكثر"
ولا تتوقفُ عند التشخيص السطحي، بل تشرّحُ الداءَ بعمقٍ أكبر:
"إننا نعيش واقعا مُرّا خلفته مافياتٌ اقتصاديةٌ دولية، أنتجتْ بدورها مافياتٍ ثقافيةً محلية تُروّجُ للرديء والزائف، وتصنعُ خنادقَ في وجهِ القيم النبيلة والفكر السليم".
إشراقةُ العِصاميّة
أمضتْ بوهراكة زهرة شبابها في دهاليز التفتيش، وأمام مرايا التمحيص الصادقة، فصنعتْ اسمها بأظافر العِصاميّة والتحدي.
ما زالتْ حتى اليوم تُمسكُ بالبوصلة وتُواصل الرحلة، مؤمنةً بأنّ سفر الألفِ ميل يبدأ بطفلة تجرّأتْ على الحلم، وبأنّ فلسفة الوجود كُلها تتلخصُ في معادلة واحدة: أن تكون الحياة علما وفنا واجتهادا.. أو لا تكون.
