**
محمد/ سيدناعمر
على وقع خيالات طفولة حالمة، كانت تطوي أوراق الكراسات وتصنع منها طائرات ورقية تطلقها نحو الأفق، تاركةً لروحها العنان لكي تحلق بعيداً.
لم تكن تعلم تلك الفتاة الصغيرة أن الأيام تخبئ لها موعداً مع القدر، وأن الحلم الصغير سيكبر شيئاً فشيئاً ليتحول إلى حقيقة ساطعة، فتغدو الغالية بنت الشيكر أول فتاة موريتانية تقتحم عالم الطيران وتعتلي مقصورة القيادة لتشق عباب الغيوم.
من رحم التقاليد.. إلى رحاب الأفق
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ فقد انطلقت ابنة المجتمع المحافظ، وحفيدة العِلم، مكلّلةً بوقار "الملحفة" الموريتانية وأصالتها، لتواجه قسوة التحديات الدراسية والاجتماعية.
وبفضل تفوقها العلمي وثبات خطاها، ظفرت بمنحة دراسية شكلت العتبة الأولى نحو تحقيق المستحيل.
حطّت الغالية رحالها أولاً في مدارس الطيران الكندية، ثم تلتها محطة أخرى في بلاد "العم سام". وهناك، تضاعفت التحديات؛ غربة موحشة، وبلاد صعبة المراس في عاداتها وإيقاع حياتها، لكن إرادة حديدية كانت تخترق تلك السُّجُف لتصنع مجداً شخصياً ووطنياً فريداً.
نظرة من الأعلى.. ورسم على سحاب السماء
حين سُئلت عن شعورها في أول رحلة إقلاع فعلية، أجابت بشفافية الشاعرة:
"شعرت عند أول إقلاع لي بالطائرة، أنني أنا التي تطير.. لا الطائرة."
لم ترهبها طلاسم الأزرار ولوحات القيادة المعقدة، بل وجدت في تعلم تفاصيل المهنة متعةً تفوق التوقعات.
وبين طفولتها الشغوفة بالرسم وبين دقة قمرة الطائرة، ترى الغالية خيطاً رفيعاً من الإبداع؛ فالرسام يمزج الألوان على اللوحة ليخلق عوالم من العدم، وقائدة الطائرة تنسج مسارها في الفضاء الفسيح، وكأن العالم من نافذة قمرتها يبدو كقعطة شطرنج بديعة التنظيم.
ولم تخلو الرحلة من مواقف طريفة تبتسم لها الشفاه؛ إذ كان بعض الأقارب والأصدقاء يتجنبون -في البداية- صعود الرحلات التي تقودها، رهبةً وانطباعاً راسخاً لديهم بأن هذا الميدان حكر على الرجال وصعب المراس على حديثي العهد به.
شغف ومسؤولية.. ونداء للأجيال
تؤمن الغالية بأن الطيران ليس مجرد مهنة، بل هو "شغف وجنون جميل". وهي إذ تستمتع بمتعة التحليق والإثارة، تدرك جيداً أن ثقل المسؤولية عن أرواح الركاب هو الهاجس الذي يرافق كل قائد طائرة، تسبقه ساعات من النوم الكافي، واختبارات الصحة النفسية، وإتقان اللغات لتكون زاداً حقيقياً لكل طيار في سماء المتغيرات.
لقد استطاعت الغالية بنت الشيكر أن تكسر تابوهات اجتماعية متوارثة، محطمةً الأفكار النمطية التي حصرت الطيران في "المهن الرجالية"، ومثبتةً أن التمسك بالتقاليد والاعتزاز بالهوية لا يتعارض أبداً مع معانقة الغمام والمنافسة في أعلى القمم.
واليوم، تترك الغالية باب السماء مفتوحاً على مصراعيه، وتوجه دعوتها الصادقة لكل فتيات موريتانيا: ألا يتوقفن عن الحلم، وأن يلحقن بها في عوالم العزيمة والتحليق
