البنغالي: أحمد شوقي عفيفي
ثمة أوطان لا تعرف بخرائطها، ولا تقاس بمساحاتها، بل تدرك بأرواح أهلها، وتقرأ في ملامح ناسها، ويستدل عليها من أثرها في النفوس. وموريتانيا من هذا الصنف النادر من البلدان، بلد لا يطرق الذاكرة بوصفه دولة حديثة فحسب، بل يطل على الوجدان بوصفه حالة حضارية مكتملة، تشكلت في هدوء الصحراء، ونضجت في ظل الإسلام، وترعرعت في كنف العربية.
فمن يخالط الشعب الموريتاني، لا يلبث أن يشعر أنه أمام أمة صاغت هويتها بعيدا عن ضجيج العالم، وحفظت ذاتها دون أن تنغلق، وصانت ميراثها دون أن تتكلس. هنا، لا يبدو الإسلام فكرة ذهنية، ولا العربية زخرفة لغوية، بل كلاهما روح تسري في الحياة اليومية، وتنعكس في السلوك، وتستقر في الوجدان.
هوية تشكلت بالصبر لا بالصدفة:
لم تتشكل الهوية الموريتانية على عجل، ولا ولدت في لحظة تاريخية خاطفة، بل نمت عبر قرون من التراكم الهادئ، والتربية الصامتة، والمجاورة الطويلة للعلم والدين. فقد كانت الصحراء، على قسوتها، رحما حاضنا لهذه الهوية، إذ علمت أهلها الصبر، وربتهم على القناعة، ومنحتهم صفاء الذهن، وعمق التأمل. وفي هذا الفضاء المفتوح، تشكلت شخصية الإنسان الموريتاني: قليلة الضجيج، كثيرة المعنى، بسيطة في المظهر، عميقة في الجوهر، متواضعة في السلوك، راسخة في القيم.
ولم تكن موريتانيا يوما جزيرة معزولة عن محيطها الإسلامي، ولا هامشا بعيدا عن حركة العلم والحضارة، بل كانت قلبا نابضا في شبكة التواصل المعرفي للأمة، عقدة وصل علمية فاعلة، أنجبت العلماء، وحملت الأسانيد جيلا عن جيل، وأسهمت في صياغة الوجدان الديني والملامح الروحية لرقعة واسعة من إفريقيا، بصدق علمها، وعمق رسالتها، وهدوء تأثيرها.
الإسلام خلق يرى لا شعار يرفع:
الإسلام في موريتانيا ليس طقسا موسميا، ولا خطابا تعبويا، ولا حالة انفعالية عابرة، بل هو نظام أخلاقي متكامل، يسكن النفوس، ويهذب السلوك، ويضبط العلاقات. هنا، يرى الإسلام في الصدق قبل القول، وفي الأمانة قبل القسم، وفي الحياء قبل الادعاء.
التدين الموريتاني تدين فطري، هادئ، متزن، يخلو من الغلو كما يخلو من التفريط. فلا تجد استعراضا ولا ادعاء، بل تجد بساطة صادقة، ونفوسا مطمئنة، وقلوبا لا تزال تحتفظ بعلاقتها الأولى مع الدين علاقة السكينة.
ولعل من أسرار تماسك المجتمع الموريتاني أن الإسلام فيه ظل إطارا جامعا، لا أداة صراع، ومصدر طمأنينة، لا وقود نزاع، ومرجعية أخلاقية، لا وسيلة إقصاء.
العلم ميراث الأمانة الثقيلة:
إذا كان الإسلام روح المجتمع، فإن العلم هو عموده الفقري. فقل أن تجد شعبا ارتبط فيه العلم بالهوية كما ارتبط في موريتانيا. هنا، لم يكن العلم زينة ثقافية، ولا سلعة اجتماعية، بل كان واجبا دينيا، ورسالة أخلاقية، وأمانة متوارثة.
نشأ الموريتاني في بيئة ترى في طلب العلم عبادة، وفي العالم قدوة، وفي الجهل نقصا لا يتسامح معه.
والمحظرة الموريتانية لم تكن يوما فضاء للتلقين الجاف، ولا موضعا لحشو الأذهان، بل كانت مدرسة تربية شاملة، تنشئ العالم قبل أن تكدس في صدره المعارف، وتهذب النفس قبل أن تحدد الذهن، وتصوغ الإنسان في قيمه وسلوكه قبل أن تسلحه بأدوات الفهم والبيان.
فالمحاظر لم تكن مؤسسات تعليمية فحسب، بل مدارس إنسانية شاملة، تخرج العقل والقلب معا، وتصوغ الشخصية قبل أن تمنح المعرفة. وكان الطالب يعيش العلم، لا يدرسه فقط، يحفظه في صدره، ويفهمه بعقله، ويتخلق به في سلوكه. ولهذا ظل العلم في موريتانيا مقرونا بالتواضع، بعيدا عن التعالي، محاطا بالخشية.
ولم يكن لقب الشنقيطي مجرد انتساب إلى مكان، ولا إشارة جغرافية جامدة، بل غدا مع الزمن وسام علم، وشهادة رسوخ، وعنوان ثقة في الفهم والبيان، إذا ذكر دل على عمق في العلم، وتمكن في اللسان، وأحال في الوجدان إلى مدرسة راسخة من التحقيق والتأصيل.
وقد جاوز أثر العالم الموريتاني تخوم وطنه، فغدا سفير علم هادئا لا يعرف الضجيج، يحمل رسالته بصمت، ويعرف الناس بالإسلام من خلال السمت والخلق قبل أن يبلغه بالكلمة والقول.
التزكية روح المعرفة:
ما يميز التجربة العلمية الموريتانية حقا أنها لم تفصل بين العلم والتزكية. فلم يتحول الفقه إلى خصومة، ولا اللغة إلى استعراض، ولا الحديث إلى تكديس روايات. بل ظل العلم مشدودا إلى مقاصده، ومحكوما بأخلاقه، ومصحوبا برقابة الضمير. ومن هنا خرج علماء جمعوا بين سعة الاطلاع وسلامة الصدر، وبين قوة الحجة وحسن الخلق، وبين عمق الفهم ورقة الروح. وهو توازن نادر، يفتقده كثير من البيئات العلمية المعاصرة.
أما العربية في موريتانيا، فهي ليست لغة متعلمة فحسب، بل لغة موروثة، حية، متجذرة في الوجدان. هي لغة الأم، ولغة المسجد، ولغة الشعر، ولغة الحياة اليومية. لم تفرض بقانون، ولم تحم بشعارات، بل عاشت لأنها كانت ضرورة وجودية.
وقد حفظ الموريتانيون العربية في زمن ضعفت فيه في كثير من الأقطار، فصانوا مفرداتها، وحافظوا على تراكيبها، وورثوا بيانها جيلا بعد جيل. فالعربية هنا ليست أداة تواصل فقط، بل وعاء تفكير، ومرآة هوية.
ويكفي أن تجالس موريتانيا بسيطا لتدرك عمق هذه الملكة، حيث يحسن التعبير، ويزن عبارته، ويستحضر الكلمة المناسبة بعفوية تدهش السامع.
البيان الموريتاني ليس تقليدا أعمى للتراث، بل امتداد واع له. فقد أسهم هذا الشعب في حفظ التراث العربي الإسلامي حين كادت نصوصه تضيع، فصار خزانة حية للمتون، وذاكرة يقظة للأسانيد، وملاذا للغة في أزمنة الاضطراب. وتميز البيان هنا بالصفاء والاقتصاد والعمق، بعيدا عن التكلف، قريبا من روح النص، منسجما مع الذائقة السليمة.
أخلاق المجتمع ثراء بلا مال:
ومن أبهى ما يتجلى في الشعب الموريتاني صفاء أخلاقه الاجتماعية، تلك التي تشكلت في صمت الزمن، بعيدا عن ضجيج الادعاء واستعراض الفضائل، كرم يفيض دون من، وتواضع يرسخ دون تكلف، وصبر طويل نسجته التجربة، وتكافل فطري يولد من عمق الشعور بالمسؤولية الجماعية. فالإنسان هنا يعرف بقيمته قبل ثروته، ويزن بخلقه قبل مظهره، ويقدر بعلمه قبل مكانته.
ورغم قلة الموارد وقسوة الظروف، ظل المجتمع الموريتاني غنيا بالمعنى، متماسكا في مواجهة الشدائد، قادرا على الاحتمال دون سقوط أخلاقي، وعلى القناعة دون انكسار. وفي عالم يلهث خلف البريق العابر، تقدم موريتانيا درسا صامتا في عمق القيم، وفي زمن يعلو فيه الضجيج، تمنح نموذجا نادرا للهدوء المتزن، وتذكر، في عصر الاستنساخ والتشابه، بأن للأصالة مكانا لا يزاحم. وهي، وإن لم تكن مثالية ولا بمعزل عن تحديات العصر، فقد حافظت في جوهرها على توازن إنساني رفيع، يجعل تجربتها جديرة بالتأمل العميق، والإنصات الهادئ، بوصفها ثراء أخلاقيا لا يقاس بالمال، ولا يقدر بثمن.
إن الكتابة عن الشعب الموريتاني ليست ترفا أدبيا، ولا اندفاعا إنشائيا عابرا، بل هي شهادة حق تؤدى، واعتراف بفضل أمة آثرت أن تحمل أمانة الإسلام خلقا وسلوكا قبل أن ترفعه شعارا أو خطابا، فجعلت من الدين حياة تعاش، وقيمة تمارس، لا مجرد انتماء يعلن. وهي كذلك شهادة وفاء لمن صان العربية لا بسياط القوانين ولا بضجيج الشعارات، بل بحضورها الطبيعي في الوجدان، واستقرارها العميق في الفكر، وانسيابها الهادئ في تفاصيل العيش اليومي.
لقد قدمت موريتانيا، عبر مسيرتها التاريخية، نموذجا إنسانيا نادرا لأمة جمعت بين صفاء العقيدة، ورسوخ العلم، ونقاء البيان، وحافظت على هذا التوازن الدقيق في زمن اختلت فيه الموازين، واضطربت فيه المعايير. فلم ينفصل علمها عن الأخلاق، ولا تدينها عن الرحمة، ولا لغتها عن روحها، بل ظل الكل نسيجا واحدا متماسكا، يمنح المجتمع مناعة داخلية ضد التفكك والابتذال.
وفي عالم يزداد صخبا وتعلو فيه الأصوات وتبهت المعاني، تظل موريتانيا تقدم درسا صامتا في قيمة العمق، وتذكر، في زمن اللهاث وراء المظاهر، بأن الغنى الحقيقي ليس في وفرة المال، بل في وفاء القيم، وليس في كثرة الادعاء، بل في صدق الانتماء. فهي أرض تعلم أن الهدوء ليس ضعفا، وأن البساطة ليست فقرا، وأن الصمت قد يكون أبلغ من كثير من الخطب.
فطوبى لموريتانيا بشعبها، وطوبى لهذا الشعب بما ورثه من أخلاق الإسلام، وما حمله من أمانة العلم، وما صانه من بيان العربية، وطوبى لكل من عرف هذه الأرض عن قرب، فأدرك أن في هدوئها حكمة، وفي صبرها عمقا، وفي ناسها كنزا حضاريا وإنسانيا لا يزول، ولا تقدر قيمته بثمن.
