ذ/ محمد عالي محمدن ( عدود)
يأتي التقاعد كمنعطف حاسم في مسار الإنسان، تتقاطع فيه مشاعر الاعتزاز بما أُنجز مع قلقٍ مشروع مما هو آتٍ. سنوات طويلة من العطاء والعمل المتواصل تُختزل فجأة في لحظة خروج رسمي من الوظيفة، لكنها لا تُلغي أثر التجربة ولا تمحو ما راكمه المتقاعد من خبرة ومعرفة وحكمة. فالماضي الحافل لا يكون عبئًا على الحاضر، بل رصيدًا يمكن للأمم الرشيدة أن تحسن استثماره.
هذه السنة شهدت تقاعد عدد معتبر من الكفاءات الوطنية التي بصمت قطاعات حيوية ببصماتها الواضحة، رجالًا ونساءً حملوا المسؤولية في ظروف مختلفة، وواجهوا التحديات بإمكانات متباينة، وتركوا وراءهم مؤسسات أكثر نضجًا مما كانت عليه. خروجهم من المشهد الوظيفي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية، بل انتقالًا من دور إلى دور، ومن موقع تنفيذي إلى موقع إرشادي أو استشاري، حيث تُصان الذاكرة المؤسسية ويُؤمَّن نقل الخبرة للأجيال اللاحقة.
وفي المقابل، يفرض التقاعد سؤال المستقبل المبهم، لا على الأفراد فحسب، بل على الدولة والمجتمع. كيف نضمن للمتقاعد عيشًا كريمًا يليق بما قدّم؟ وكيف نُحوّل خبرته إلى قيمة مضافة بدل أن تُهدر؟ ثم كيف نُوازن بين الوفاء لمن خدموا الوطن وضرورة تجديد الدماء داخل الإدارة ومراكز القرار؟
في هذا السياق، تبرز جدية رئيس الجمهورية في الدفع نحو ضخ دماء جديدة، إيمانًا منه بأن تجديد النخب شرط أساسي لمواكبة التحولات وتسريع وتيرة الإصلاح. فالشباب المؤهل، حين يُمنح الفرصة، قادر على الابتكار وتحمل المسؤولية بروح مختلفة، شريطة أن يجد أمامه منظومة تستفيد من خبرة السابقين ولا تقطع معها. فالتجديد الحقيقي لا يكون بالإقصاء، بل بالتكامل بين جيل التأسيس وجيل الامتداد.
إن التحدي اليوم ليس في التقاعد ذاته، بل في كيفية إدارته اجتماعيًا ومؤسساتيًا. تقاعد بلا رؤية يُنتج فراغًا ومرارة، أما تقاعد في إطار سياسة متكاملة فيُنتج طمأنينة وولاءً مستمرًا، ويحوّل الماضي الحافل إلى جسر آمن نحو مستقبل أقل غموضًا. هكذا فقط يصبح التقاعد محطة تكريم وعرفان، لا بوابة قلق ونسيان.
