دعم جوي واستخباراتي.. هكذا تدعم إسرائيل الميليشيات المسلحة في غزة

كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن استمرار دعم الجيش الإسرائيلي للميليشيات المسلحة في قطاع غزة، التي تحارب حركة حماس، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار.

وأشارت إلى تجلّي اعتماد إسرائيل على هذه الميليشيات في وقت سابق من هذا الشهر، عندما تفاخر زعيم إحدى الميليشيات، حسام الأسطل، بقتل مسؤول في الشرطة في منطقة تسيطر عليها حماس، وقال إنه من المخطط تنفيذ المزيد من هذه الهجمات.

وأكدت أن الدعم الإسرائيلي لتلك الميليشيات يشمل الإسناد الجوي عبر الطائرات المسيّرة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوفير الأسلحة والمواد الغذائية، وفقًا لمسؤولين إسرائيليين وعسكريين في الاحتياط.

كما أفاد مسؤولون بأنه تم نقل بعض أفراد تلك الميليشيات جوًا إلى مستشفيات إسرائيلية بعد إصابتهم بجروح.

ورأت الصحيفة أن هذه الشراكة تُعد «أداة مفيدة» لإسرائيل، إذ إنه في ظل تقييد قواتها بشروط وقف إطلاق النار مع الحركة، تستطيع هذه الميليشيات الوصول إلى مناطق تسيطر عليها حماس، يُفترض أن تكون محظورة على القوات الإسرائيلية، بما في ذلك منطقة المواصي في خان يونس جنوبي القطاع.

وتضم ميليشيا الأسطل عشرات المسلحين المقيمين في جزء من غزة تسيطر عليه إسرائيل.

ونفى الأسطل تلقيه أي مساعدات من إسرائيل باستثناء الطعام، وصرّح لصحيفة «وول ستريت جورنال» بشأن القيادي في وزارة الداخلية بغزة، الذي تم استهدافه قبل أسبوعين ويتبع لحركة حماس: «لقد تسبب في مشاكل لمن أرادوا اللجوء إلينا… كان يؤذينا… ومن سيخلفه سيُقتل»، بحسب زعمه.

تقديم الدعم

وأكدت الصحيفة أن إسرائيل تراقب عن كثب أنشطة هذه الميليشيات، وقد تدخلت لمساعدتها أو إخراجها من أزمات في حالات أخرى.

وقال يارون بوسكيلا، الذي شغل منصب ضابط عمليات رفيع في فرقة غزة التابعة للجيش الإسرائيلي حتى دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول: «عندما ينفذون أنشطة ضد حماس، نكون هناك لمراقبتهم، وفي بعض الأحيان لتقديم المساعدة. وهذا يشمل تزويدهم بالمعلومات، وإذا رأينا حماس تحاول تهديدهم أو الاقتراب منهم، فإننا نتدخل بنشاط».

وأضاف بوسكيلا أنه لا علم له باستمرار هذا التعاون منذ مغادرته منصبه.

وامتنع الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي «الشاباك» عن التعليق على هذا التعاون.

وقال شخص مطّلع على الأمر إنه خلال الأشهر الأخيرة جرى استخدام عناصر من «القوات الشعبية»، وهي ميليشيا أخرى مدعومة من إسرائيل، لمحاولة إخراج مقاتلي حماس المحاصرين من الأنفاق في رفح، بينما كانت إسرائيل تضخ المتفجرات داخلها.

وأعلنت ميليشيات مسؤوليتها عن استهداف مقاتلين من حماس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونشرت مقاطع فيديو صادمة.

وأظهرت مقاطع أخرى عناصر من تلك الميليشيات وهم يرتدون سترات تكتيكية إسرائيلية، ويقفون في تشكيلات عسكرية ويطلقون النار على أنغام موسيقى حماسية، إضافة إلى صور ورسومات مُولّدة بالذكاء الاصطناعي تُصوّر مستقبل غزة.

كما تقوم بعض الميليشيات بتجنيد عناصر جديدة عبر منشورات على الإنترنت.

وقال جندي احتياط إسرائيلي كان متمركزًا في غزة إنه رافق قوافل مساعدات كانت تُزوَّد إحدى الميليشيات في رفح خلال فصل الصيف، موضحًا أن هذه الرحلات كانت تُجرى مرة أسبوعيًا في وقت متأخر من الليل مع إطفاء أضواء المركبات.

وأضاف أن المساعدات شملت طعامًا ومياه وسجائر وصناديق مغلقة ذات محتويات مجهولة، كان جهاز «الشاباك» يضعها في المركبات.

البحث عن بديل

اضطرت إسرائيل إلى البحث عن شركاء آخرين للتعاون معها بعد أن صرّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال الحرب، بأنه لن يستبدل حركة حماس في غزة بالسلطة الفلسطينية.

وبحسب الصحيفة، أُجهضت المحاولات المبكرة للتعاون مع العشائر الغزية لتشكيل بدائل حكم ذاتي للقطاع سريعًا، في حين أثبت أفراد بعض الميليشيات قدرتهم على الصمود في مواجهة حماس، وشكّلوا تجمعات صغيرة في مناطق من غزة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

ويتراوح عدد عناصر هذه الميليشيات بين المئات والآلاف، وفقًا لقادتها ومسؤولين إسرائيليين.

وحتى الآن، لم تتمكن الميليشيات من تحويل نفسها إلى بديل قابل للتطبيق يحل محل حماس.

كما أشارت الصحيفة إلى تورط بعض تلك الميليشيات في نهب المساعدات الإنسانية خلال الحرب، إضافة إلى امتلاكها تاريخًا من الأنشطة الإجرامية، ما يجعل كثيرًا من سكان غزة حذرين من دعمها.

ولم تحقق الميليشيات نجاحًا يُذكر في الحد من نفوذ حماس، التي تمكنت من استعادة السيطرة على أقل من 50% من المناطق التي فقدتها في قطاع غزة، وتعمل على إعادة بناء هيكلها العسكري.

ويرى كثيرون في غزة أن تلك الميليشيات متعاونة مع إسرائيل.

تجارب سابقة

قال محللون عسكريون إن التعاون مع الميليشيات المسلحة أتى بنتائج عكسية في تجارب سابقة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك دعم إسرائيل لجيش لبنان الجنوبي، وهو ميليشيا مسيحية، الذي انتهى بكارثة عند انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان عام 2000، حيث قُتل عدد من أفراده أو أُجبروا على الفرار إلى إسرائيل.

وثمة مخاوف من أن تنقلب هذه الميليشيات مستقبلًا على إسرائيل.

وقال سار تسور، وهو ضابط بارز متقاعد حديثًا في الجيش الإسرائيلي خدم خلال حرب غزة الأخيرة: «مصالح الميليشيات هي مصالحها قبل كل شيء، وليس مصالح أي طرف آخر، ويمكن أن تنقلب عليك».

ولا يزال مصير هذه الميليشيات غامضًا في حال انسحاب إسرائيل من الجزء الذي تحتله حاليًا من قطاع غزة.

وتنص المرحلة الثانية من خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على انسحاب إسرائيل إلى منطقة عازلة حول غزة بعد نزع سلاح حماس.

وقال مايكل ميلشتاين، الرئيس السابق لشؤون الفلسطينيين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية: «قد ينجحون أحيانًا في تنفيذ عمليات ضد حماس»، لكنه حذّر من أنهم قد يواجهون مصيرًا مشابهًا لميليشيات لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، مضيفًا: «إنها مسألة وقت، وسيتعين عليهم الاختيار بين البقاء ومواجهة الإعدام أو الاعتقال، أو الهروب والانضمام إلى إسرائيل».