تقرير : محمد ولد سيد المختار
تخلد موريتانيا غدا الـ 3 مايو اليوم العالمي لحرية الصحافة على غرار دول العالم.
وقد تراجعت البلاد 11 مرتبة في تصنيف 2026 لحرية الصحافة، الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، لتحل في المركز الـ 61 عالميا بعد أن كانت تحتل المرتبة 50 في تصنيف السنة الماضية.
قراءات متباينة لهذا التراجع، حيث يرى البعض أن هشاشة القطاع، و تطبيقات قانوني مكافحة الجريمة السيبرانية والرموز، وضعف تأثير الإعلام بشكل عام في القضايا الهامة كمكافحة الفساد، والتأثير على العمل السياسي، والنقد البناء للشان العام باعتباره همزة وصل بينها الحكومة والمواطنين من أهم الأسباب .
في المقابل يرى الطرف الثاني أن تصنيف المنظمة لبلادنا يبقى كميا ولا علاقة له بالمجال، إذ لايأخذ في الاعتبار ماتحقق من إصلاحات في مجال الإعلام تشريعيا وهيكليا في السنوات الأخيرة، وتأثر تصنيفات المنظمة بـ "الاستبيانات الإدراكية" التي تتأثر أحيانا بالآرء الانطباعية .
واقع الصحافة في موريتانيا حصل فيه تقدم في بعض النواحي، ولكن مازالت صعوبات كثيرة تحتاج لحلول.
في التقرير التالي واقع الإعلام بموريتانيا... طفرة في التشريعات والممارسة وهشاشة مالية ومؤسسية.
صدارة عربية ... ومكانة مرموقة إفريقيا
رغم هذا التراجع، حافظت موريتانيا على موقعها في صدارة الدول العربية ضمن المؤشر، كما جاءت في المرتبة الـ 6 على المستوى الإفريقي، في وقت قالت فيه المنظمة إن المنطقة تشهد تدهورا متسارعا بفعل النزاعات والضغوط المتزايدة على وسائل الإعلام.
وقد احتلت موريتانيا المركز الـ 33 عالمياً متقدمةً بفارق كبير عن أقرب البلدان العربية لها، وتقدمت بـ 53 نقطة لتقفز من المركز 86 في العام الماضي في تصنيف 2023 إلى المركز 33. وعدّت المنظمة أن موريتانيا شهدت تحسناً كبيراً في تصنيفها العالمي منذ إلغائها المادة 11 من قانون الصحافة وحبس الصحافيين.
كما تقدمت على جزر القمر، العضو في جامعة الدول العربية، حيث حلت الأخيرة في المركز 71، وابتعدت بفارق كبير عن دول الجوار، حيث نجد السنغال في المركز 91، ومالي في المرتبة 114، والمغرب في المرتبة 124، والجزائر في المرتبة 139 وتراجع تصنيف موريتانيا في السنوات الأخيرة، بعد أن كانت بلغت المركز الأول عربياً في 2016.
نشير إلى أن البلاد سجلت 67.52 نقطة في المؤشر الحالي، وهو ما يمثل تراجعًا طفيفًا مقارنة بعام 2024، حيث كانت تحتل المرتبة 33 عالميًا برصيد 74.2 نقطة.
لمحة تاريخية عن المهنة بموريتانيا
عرفت موريتانيا ظهور الصحافة متأخرة عن بقية دول العالم العربي، حيث ظهرت أو ل الجرائد مع المستعمر الفرنسي سنة 1945
وقد تشكل جيل من الكتاب على إثر ذاك ممهدا لظهور الإعلام بعد الاستقلال عن فرنسا سنة 1960
وفي سنة 1975 ظهرت جريدة "الشعب" على يد ذلك الجيل لتدخل موريتانيا عهد صحافة الحزب الواحد، وتظهر الصحافة السرية التي تواصلت حتى 1988 حيث بدأت تظهر الصحافة المتخصصة نسبيا "نقابية ونسائية وثقافية"تمهيدا لظهور الصحافة الإخبارية والجامعة بعد تبني التعددية الديمقراطية سنة 1991
في بداية التعددية الديمقراطية 1991 صدر أول قانون للصحافة المكتوبة، ولكن هذا القانون تم تقييد الحرية فيه بالمادة 11 التي كانت سيفا مسلطا على حرية الصحافة، كما لم تسع السلطات من خلال هذا القانون إلى تعريف المهنة وضبطها، بل تركتها تعيش فوضي عارمة أدت لتمييعها وهجر الصحفيين الحقيقيين لها .
ومع سقوط نظام ولد الطايع في العام 2005 فتحت موريتانيا صفحة جديدة في مجال حرية الصحافة بعد الإعلان عن قانون جديد للسلطة الرابعة، أضاف الصحافة الإلكترونية للورقية، وألغى عقوبة حبس الصحفيين في جرائم النشر، مع تشكيل السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية كهيئة ضبط للحقل الإعلامي، وتحويل الوصاية في التشريع صحف والمواقع للعدالة بدل وزارة الداخلية، مع إبقاء الوصاية الإدارية لوزارة الاتصال وإلغاء المادة 11
مطلع عام 2002 تأسست المواقع الإلكترونية الإخبارية في موريتانيا على شبكة الإنترنت التي دخلت إلى موريتانيا منذ سنة 1998. وقد بدأت هذه المواقع تشهد تمييعا على غرار ماعرفته الصحافة الوقية، التي يمكن القول أنها اندثرت بعد سنوات طويلة من التمييع والفوضى داخلها .
أرقام لها دلالات
تشير معطيات صادرة عن (الهابا) ولجنة تسيير صندوق دعم الصحاف الخاصة " سنة 2023 إلى أن المشهد الإعلامي يتضمن مايلي:
217 صحيفة إلكترونية؛
35 جريدة ورقية؛
23 هيئة صحفية؛
9 مؤسسات سمعية بصرية؛
الدعم الرسمي ... وشروط الصندوق
ضاعفت الدولة الموريتانية الدعم السنوي المخصص للصحافة الخاصة حيث وصل الغلاف المالي المخصص له إلى 400 مليون أوقية العام الماضي، ولكن بعض المراقبين يرى أن الشروط التي تفرضها لجنة تسيير هذا الصندوق لايتم احترامها في الواقع، كما أن تلك الشروط ليس من بينها مايجب أن يكون ضروريا لترقية المشهد الإعلامي من مراعاة المهنية والإنتاج الذي يساهم في توعية المواطنين ويطرح مشاكهلم على السلطات، باعبتاره همرة وصل بينها والمواطنين من جهة، بدل الاقتصار على وظيفة واحدة هي الإخبار، فلا توجد وظائف الإعلام الأخرى "الترفيه والتوعية"، كما لاتراعي دقة التحرير وتنوع المواضيع ومراكز اهتمام الجمهور غالبا مع استثناءات قليليةطبعا.
وهذا ماجعل المشهدالإعلامي الوطني عديم التأثير بشكل كبير على الرغم من كثرة وسائل الإعلام فيه، مقارنة بدول الجوار خاصة من حيث عدد المواقع الإكترونية والقنوات والإذاعات الخاصة، كما ظهرت أنماط جديدة من الإعلام يصعب ضبطها مثل" المنصات التي أصبح كل من يمتلك هاتفا مؤهلا لأن يفتتح إحداها وهنا تصعب رقابة المضمون رغم شدة التأثير وكثرة الجمهور الذي يتابع هذه المنصات .
من المشاكل الت يعانيها قطاع الإعلام ـأيضاـ هجر كوادر الإعلاميين للمهنة لسوء وضعيتها، ولأنها لاتوفر الدخل الكافي للعيش الكريم دون نفاق أو تزلف في الغالب، كما أن جانب التكوين الأكاديمي مازال مهما رغم وجود ثلاث مؤسسا تعنى به "المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، جامعة العيون ، المدرسة الوطنية للإدارة.." ، وغالبا يكون التكوين نظريا ويفتقد للمكونين ذوي المعرفة النظرية الكافية، والخبرة الميدانية في التطبيق .
مشكلة أخرى يعانيها الصحافة ميعت الحقل، تعود لكثرة الروابط والنقابات والاتحادات التي تدعي أنها تمثله، مما جعل السلطات تجد نفسها في حيرة تتعلق بالتعامل معها، ومن يمثل الإعلاميين بالبلد فعلا .
البطاقة الصحفية ... مربط الفرس
يرى بعض المتابعين أن البطاقة الصحفية الرسمية التي أعلن عنها سابقا لتنظيم القطاع، والتي هي مربط الفرس في ضبطه، دخلت مرحلة من التمييع حيث كان من المفترض أن تمنح فقط للكتاب الصحفيين باعتبارهم هرم سلك الاتصال، ولكن يبدو أن الاتجاه -بحسب متابعين- بات منصبا على منحها لكل الفئات الأخرى، التي تعمل في الإعلام من تقنيين ومحررين ومصورين وربما غيرهم وبالتالي فإن ضبط القطاع عن طريقها بات حلما بعيد المنال.
التأثير الغائب... والمهمة المستحيلة
من المفارقات أن الإعلام في موريتانيا لايؤثر في القضايا التي يتناولها، نظرا لرواسب سنوات التمييع باستثناءات قليلة، تتعلق بتحقيقات ناردة حول الفساد، أما غير هذه القضية فلاتحدث الصحافة الوطنية فيها تأثيرا، ويعود جزء كبير من ذلك إلى غياب صحافة استقصائية متخصصة تكشف المستور من جهة، كما أن غياب التخصص لدى الكثير ممن يعملون في الحقل واهتمامهم بالسياسة، وعدم مراعاتهم لشواغل المواطنين، وربما البحث عن المصالح الخاصة جعل الكثير من وسائل الإعلام الوطنية بلا تأثير، لأنها لاتهتم بقضايا المواطن ولاتنقل مشاكله للسلطة من جهة أخرى .
كما أن عدم فتح المصادر الرسمية أمام الصحفيين، وغياب تعاطي السلطات معهم بشكل كبير، جعله محصورا في الزاوية فما ينتج على قلته لا تأثير له، والسلطات لاتتفاعل بالشكل الكافي مع مخرجاته، وهذه المفارقة حدّت من تأثير الإعلام بالبلد، ويجب التعامل الرسمي معها بجدية.
هل يصلح العطار .. مأفسد الدهر؟
الصحافة في موريتانيا مهنة تم تمييعها لفترة طويلة وتحتاج الإصلاح من خلال التمويل الكبير، وجلب كوادرها الوطنيين من الخارج، وتشغيل الإعلاميين المهنيين العاضين على الجمر والمهمشين بالوطن ، مع ضبط المشهد الإعلامي حسب القانون وفرض المهنية والإنتاج والتنوع والتفاعل الرسمي مع ماينشر مما يهم المواطنين، وتفاعل المواطنين مع الإعلام الجاد ونبذ الهابط منه
