خبير القانون الدولي  ولد انداري لــ "الجديد نيوز": السياسة الخارجية الموريتانية تــمُـــــرّ بواحدة من أفضـــل مراحلـــها

الدكتور: أحمد محمد الأمين انداري / أستاذ العلوم السياسية بجامعة نواكشوط

 

ضيفنا في هذه المقابلة أستاذ العلوم السياسية بجامعة نواكشوط، حاصل على عدة شهادات في مجالي التاريخ  والقانون، توجها بنيله لشهادة  الدكتوراه في العلوم السياسية وتحديدا في العلاقات الدولية والقانون الدولي من المغرب.

أنجز  الكثير من البحوث القيمة في مجال  تخصصه حاول من خلالها مقاربة مواضيع شتي  ونشر أغلبها في مجلات أو كتب عربية ودولية محكمة ..

يمتلك خبرات كبيرة في مجال تخصصه، ويعد خبيرا في العديد من القضايا الوطنية والدولية الهامة، يتمتع بعضوية  في عدة هيئات استشارية ومراكز بحوث عربية وإقليمية معروفة، وشارك بأوراق بحثية في عشرات المؤتمرات الدولية. 

درّس طوال سنوات في العديد من المؤسسات الجامعية الكثير من المواد التي تدخل في حيّز اختصاصه .

في هذه المقابلة يقدم رؤية واضحة عن علاقات موريتانيا بفرنسا، ودلالات زيارة الدولة التي أداها فخامة رئيس الجمهورية  ولد الغزواني لها مؤخرا، كما تطرق للشأن الوطني من زوايا متعددة، تخدم تحليل أبرز القضايا المطروحة على الساحة السياسية المحلية .

"الجديد نيوز" يستضيف لكم الأكاديمي والباحث:  الدكتور: أحمد محمد الأمين انداري

 

حوار:  محمد ولد سيدناعمر

 

نصّ المقابلة:

الجديد نيوز : اختتم فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني زيارة دولة لفرنسا هي الأولى لرئيس موريتاني منذ أكثر من 40 عاما كيف تقيمون نتائج تلك الزيارة ؟

الدكتور انداري: بداية أشكركم على هذه السانحة الكريمة، وفيما يتعلق بهذه الزيارة لا بد من القول أولا إن العلاقات الموريتانية الفرنسية هي علاقات من نوع خاص، بسبب طابعها التاريخي من جهة، وبسبب كونها علاقات تجمع بين قوة عالمية  اكلاسيكية هي فرنسا التي تعد من بين البلدان القيادية في حلف الناتو، وفي القارة الأوروبية، بل وعلى مستوى العالم بشكل عام وإن بدرجة أقل، وبين موريتانيا التي تعد من بين بلدان الجنوب، وتواجه الكثير من التحديات، لكنها نجحت رغم ذلك في  الحفاظ على أمنها واستقرارها، رغم كونها من بين بلدان الساحل، وهي المنطقة التي تعج بالنزاعات والصراعات،  وتوجد فيها الكثير من  الجماعات الراديكالية والمتطرفة، وهذه هي الزيارة الأولى لرئيس موريتاني إلى فرنسا من هذا المستوى منذ ما يقارب الستة عقود، وزيارة الدولة كما نعلم هي أعلى مستوى من بين  زيارات رؤساء الدول، وعادة ما تأتي بدعوة من رئيس الدولة المضيفة، و تتم فيها مراعاة اعتبارات وترتيبات بروتوكولية خاصة، وإذا كان من المبكر الحكم على نتائج الزيارة خاصة أنه لم يمض عليها كبير وقت، فإن المؤكد أن موريتانيا قد ربحت من هذه الزيارة، ترسخ صورتها لدى الأوروبيين، بوصفها شريكا موثوقا، وبلدا تمكن من أن يحافظ على أمنه واستقراره في منطقة ملتهبة ، ولديه تجربته الخاصة والمميزة في محاربة الإرهاب، وفي إدارة باقي الملفات التي تهم الأوروبيين مثل ملف الهجرة غير النظامية، وملف التحول الديمقراطي، وغيرها من الملفات . 

 الجديد نيوز : احتفى الرئيس الفرنسي ماكرون بنظيره الموريتاني، مؤكدا أن البلدين شريكين موثوقين وحليفين استراتيجيين. ماهي أسس الشراكة القوية بينها حسب تصوركم؟

 نعم صحيح درجة الاحتفاء من الرئيس المضيف ماكرون بالرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، يمكن القول إنها كانت ملفتة خلال كل مراحل هذه الزيارة، وهو الأمر الذي يعكس أهمية موريتانيا بالنسبة لفرنسا، كما يعكس أن فرنسا تعتبر موريتانيا شريكا موثوقا لها في منطقة الساحل، وأعتقد أن لهذه الشراكة الكثير من الأسس أهمها العلاقات السياسية القوية التي تجمع بين البلدين والتي تظهر من خلال متانة العلاقات الأمنية والاقتصادية بينهما. 

الجديد نيوز : عبر الرئيس ماكرون عن إعجابه بالمسؤولية التي تحلت بها موريتانيا في مواجهة التحديات الأمنية في المنطقة كيف تعلقون على ذلك ؟ 

بطبيعة الحال هذا الإعجاب يسهل تبريره إذا ما استحضرنا النجاحات الكبيرة والكثيرة التي حققتها موريتانيا بحمد الله في مواجهة الإرهاب، الذي تمكنت من تحييد خطره عن مواطنيها بعد أن خاضت معه حربا ضروسا، اعتمدت خلالها على مقاربة شاملة ذات أبعاد أمنية ولكن فكرية وتنموية ـأيضاـ  مما جعل الأوروبيين بشكل عام وليس الفرنسيين ـ فقط ـ ينظرون إلى التجربة الموريتانية في مكافحة الإرهاب على أنها تجربة ملهمة ونموذجية وناجحة .

الجديد نيوز : احتفت الصحافة الفرنسية بزيارة الرئيس غزواني، ووصفت موريتانيا بآخر حليف لفرنسا في منطقة الساحل، بحسب رأيكم ماهو سر تغيّر نظرة الإعلام الفرنسي للبلد في العقدين الأخيرين؟. 

هذا الأمر من وجهة نظري يبرهن على أهمية موريتانيا بالنسبة لفرنسا، فلاشك أن القطيعة التي حصلت بين فرنسا وبعض بلدان منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة ضاعفت من أهمية موريتانيا ومكانتها ضمن الاستراتيجية الفرنسية في المنطقة بوصفها الشريك الموثوق الوحيد والمستقر في المنطقة، وأعتقد أن السر في تغير نظرة الإعلام الفرنسي إلى بلادنا هو النجاحات المعتبرة التي حققتها بلادنا على أكثر من صعيد، سواء فيما يتعلق بمحاربة الهجرة غير النظامية أو محاربة الهجرة غير النظامية أو في مجال التحول الديمقراطي أو غيرها من مجالات . 

الجديد نيوز : ملفات كثيرة كانت على طاولة المحادثات بين البلدين تتعلق بالتعاون الاقتصادي والأمني والعسكري ومكافحة الهجرة غير الشرعية والوضع في منطقة الساحل. ترى كيف تبدو مقاربة البلدين لتلك الملفات ؟

أعتقد أنه كان هناك نوعان من الملفات تركزت حولهما محادثات الرئيسين، النوع الأول من الملفات يمكن أن نسميها بالملفات الكلاسيكية، مثل ملف محاربة الإرهاب، وملف الهجرة غير النظامية، ففي ظني أنه كل ما التقى الرئيسان الفرنسي والموريتاني بل وحتى كل ما التقى الرئيس الموريتاني بأحد نظرائه الأوربيين فإن المحادثات غالبا بين الطرفين ستتطرق لهذه الملفات، أما النوع الثاني فهو يتعلق بملفات أخرى آنية تتعلق بقضايا الساعة، مثل أزمة الطاقة، وهنا من المهم أن نستحضر أن موريتانيا بكل المعايير مؤهلة لأن تكون دولة رائدة فيما يعرف بالطاقات البديلة والطاقات الجديدة، كما أنها من البلدان الصاعدة في مجال انتاج الغاز، كما أعتقد أنه غالبا فإن المحادثات بين الرئيسين قد تطرقت لآفاق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خاصة في المجال الاستثماري، وأيضا لملف التعاون الأمني والعسكري وغيرها من ملفات، وفيما يتعلق بمواقف البلدين ومقاربتهما لتلك الملفات فإنني أعتقد أن هناك تطابقا في أغلب وجهات النظر حول تلك المواضيع، وإن كانت وجهات النظر بينهما قد تختلف في بعض الأحيان تبعا لاختلاف مصالحهما، كما هو الحال فيما يتعلق مثلا بالملف الأمني، حيث تفضل فرنسا أن يكون لها وجود عسكري و أمني مباشر في موريتانيا، في حين أن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قد أوضح للطرف الفرنسي أن التواجد الفرنسي المباشر في موريتانيا غير مقبول، وإن كان يرحب في الوقت ذاته بأي تعاون أمني أو لوجستي بين البلدين، أما فيما يتعلق بملف الهجرة غير النظامية فإن وضعية البلدين مختلفة تماما فموريتانيا تقع في أقصى غرب العالم العربي، وفي النصف الشمالي- الغربي من القارة الإفريقية، مع ما يعنيه ذلك من اعتبار موقعها بالغ الأهمية من الناحية الجيوستراتيجية، نظراً لكونها تشكل من جهة حلقة وصل بين العالم العربي والقارة الإفريقية، ومن جهة أخرى نقطة اتصال بين شمال القارة الإفريقية وجنوبها، يضاف إلى ذلك وجود موريتانيا على المحيط الأطلسي ما  يجعل منها واحدة من نقاط التماس الحضارية بين إفريقيا من جهة وكل من القارتين الأمريكية والأوربية  من جهة أخرى، وقد جعل ذلك الموقع الجغرافي المميز من موريتانيا بلداً يقع ضمن قلب السياسات الدولية للهجرة، قديما بوصفها صلة وصل بين إفريقيا جنوب الصحراء والضفة الجنوبية الغربية للبحر الأبيض المتوسط، وبوصفها كانت تمثل كذلك معبراً لطرق القوافل التجارية القادمة من أعماق القارة الإفريقية والمتجهة إلى الساحل الشمالي للقارة، وحديثاً بوصفها بلدا يلعب دوراً حيويًا في الاستراتيجيات الدولية للهجرة في منطقتي شمال إفريقيا والساحل والصحراء، وهذا الأمر يفرض على بلادنا أن تطور مقاربتها الخاصة لموضوع الهجرة وهي مقاربة يجب أن تكون على درجة كبيرة من الشمولية والتنظيم، خاصة أن موريتانيا تصنف على المستوى الدولي على أنها بلد عبور للمهاجرين غير النظامين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى أوروبا، علاوة عن كونها تعد في الوقت ذاته بلد استقرار لهؤلاء المهاجرين وفي بعض الأحيان وإن بدرجة أقل بلد مصدر لهم أيضا، وبالتالي فإن لها مقاربتها الخاصة القائمة على تحقيق توازن حرج بين مقتضيات الصرامة في الحفاظ على متطلبات أمنها واستقرارها من جهة وبين التطبيق الكامل لا لتزاماتها على المستوى الدولي المتعلقة بالحفاظ على حقوق المهاجرين، أما فرنسا فهي بلد مقصد للمهاجرين، وبالتالي فإن مقاربتها لملف الهجرة غير النظامية تطغى عليها الاعتبارات الأمنية مثلها في ذلك مثل باقي الدول الأوروبية.   

الجديد نيوز : في الوضع الداخلي تشهد موريتانيا استقرارا سياسيا يتعزز بشكل دائم، وطفرة في المشاريع التنموية، وانفتاحا في الحريات المختلفة كيف تقيمون الوضع العام بالبلد؟

أعتقد أن بلادنا اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة، ليس ـ فقط ـ فيما يتعلق بضرورة  المحافظة على أمنها واستقرارها في محيط متقلب ويعج بالنزاعات، وإنما ـ أيضاـ على صعيد منظومتنا الاقتصادية التي تواجه تحديات كبيرة، وأيضا فيما يتعلق بتحديث مؤسساتنا والمحافظة على تجربتنا الديمقراطية في بيئة ووسط غير مضياف لها، بل وفي محيط طارد لها كما هو الحال في بلدان الساحل الأخرى، وأعتقد أن الحوار المزمع عقده قريبا قد يكون فرصة مواتية  للتفاكر أي التفكير الجماعي في هذه التحديات وغيرها من تحديات، واسئلة ممتدة في المكان والزمان . 

الجديد نيوز : مكانة موريتانيا الديبلوماسية تحسنت كثيرا على المستوى الإقليمي والدولي، نتيجة السياسة الخارجية المتوازنة، والتأثير الإيجابي في ملفات إقليمية  وخارجية والعمل على تثبيت الاستقرار والتنمية داخليا، ما هو رأيكم في هذا الطرح ؟

أعتقد أن السياسة الخارجية الموريتانية اليوم بشكل عام تمر بواحدة من أفضل مراحلها، وقد انعكس ذلك بشكل إيجابي على دبلوماسيتنا التي هي أداة من أدوات سياستنا الخارجية، حيث غدت سياستنا الخارجية أكثر توازنا وأصبحنا أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحنا الوطنية، وبالتأكيد فإن التهدئة السياسية التي تعرفها بلادنا على المستوى الداخلي قد ساهمت في نجاح سياستنا الخارجية، لكن في عالم متغير ومضطرب مثل العالم الذي نعيش فيه، لايكفي أن تتعامل فقط مع التحديات الآنية وإنما لابد من استشراف التحديات التي قد تحصل في المستقبل، والاستعداد لها وتحضير البدائل المناسبة للتعامل معها، وبالتالي فإنني اغتنم هذه السانحة لأوكد على ضرورة إنشاء مجلس أعلى للسياسة الخارجية، تكون تشكيلته متنوعة بين الوزراء المعنيين بالسياسة الخارجية وأكاديميين مختصين وخبراء، تكون مهمته دراسة التحديات التي تواجه سياستنا الخارجية في الوقت الحالي، أو قد تواجهها في المستقبل، واقتراح الحلول للتعاطي معها على صانع القرار .

الجديد نيوز : الحوار السياسي المرتقب تعثر قبل أن يبدأ بسبب "ملف المأموريات" ماهي رؤيتكم القانونية البحتة للموضوع ؟

رأيي أن على جميع الأطراف أن تتنازل من أجل إجراء الحوار، فبلدنا في أمس الحاجة إليه في الوقت الحالي، خاصة أن بلادنا كما أسلفت تواجه في الوقت الحالي تحديات كبيرة وغير مسبوقة،  كما أن معظم الخلافات التي تعيق الحوار هي خلافات ناتجة عن سوء فهم من الأطراف السياسية لبعضها البعض، وأعتقد أنه يمكن التغلب عليها بسهولة عند الجلوس على الطاولة ومناقشة الحيثيات والتفاصيل. 

الجديد نيوز : العلاقات الدولية اليوم تشهد توترات جيوستراتيجية كبيرة، وملامح تشكل قوى وتحالفات جديدة لها تأثير معتبر بسبب  نتائج الصراع الدائر في الشرق الأوسط -حاليا- كيف تقاربون هذه الملف الشائك ؟

العلاقات الدولية بطبعها تتسم بكثرة التحولات وسرعتها، فهي قد تنقلب من النقيض إلى النقيض في ظرف سنوات، والصراع هو حقيقة ثابتة في العلاقات الدولية، وإذا رجعنا إلى الخبرة التاريخية سنجد أن السنوات التي لم يحصل فيها صراع أو توتر في تاريخ العلاقات الدولية الطويل هي نادرة وتكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، وبالتالي فإن التوترات والصراعات هي معطى طبيعي في العلاقات الدولية، والحرب الصهيونية الأمريكية على إيران الدائرة حاليا حتما سيكون لها ما بعدها، وفي اعتقادي أنها قد تسهم في إحداث تغيير في بنية النظام الدولي، وسيكون هذا التغيير متأثرا بنتيجة الحرب، سواء في اتجاه تمديد الهيمنة الأمريكية الأحادية على النظام الدولي، أو في اتجاه تقويض تلك الهيمنة والتعجيل ببروز نظام دولي متعدد الأقطاب، في النهاية فإن هذه الأحداث قد أكدت على سمة بارزة للعلاقات الدولية لم تعد محل نقاش، وهي أنها تقوم على الاعتماد المتبادل، وأن أحداثها حتى لو بدت بعيدة فإنها لن تبقى حبيسة الموقع الجغرافي الذي تحصل فيه، وقد رأينا كيف أن إغلاق مضيق هرمز قد أثر على الاقتصاد العالمي بعمق، وأزمة الطاقة العالمية الحالية يجب أن نأخذ منها العبرة مستقبلا، فنستعد لمثل هذه الأزمات،  سواء بالتوسع في قدرتنا التخزينية ولم لا شراء كميات كبيرة من المنتوجات البترولية عندما تهبط أسعار البترول عالميا وتخزينها، لضخ كميات منها في مثل هذه الأزمات في السوق، للحفاظ على مستوى الأسعار، أو عبر الاهتمام بشكل أكبر بالطاقات البديلة التي يمكن لبلادنا بالمناسبة أن تكون دولة رائدة فيها على المستوى العالمي، أو فيما يتعلق بالمشاركة في تنويع شراكتنا في ميدان الطاقة، خاصة مع البلدان المجاورة، التي لديها قدرات كبيرة في هذا المجال، مثل الجزائر وليبيا، أو فيما يتعلق بإنشاء صناديق سيادية، يمكن اللجوء إليها من أجل دعم القطاع في مثل هذه الأزمات، أو فيما يخص غيرها من إجراءات مشابهة.   

الجديد نيوز : في بيئتنا تتم ممارسة السياسية عن طريق "الهواية" غالبا بحسب رأيكم كيف يمكن دراسة  هذه الظاهرة السياسية المحلية ؟

ما يحصل في بلادنا من ممارسة لا يمكن القول بأنه سياسة بمعنى الكلمة،  فهو لا يحترم أي من قواعد العمل السياسي، وبالتالي فإنه يمكن القول إن شعبنا قد طور أنماطا من الممارسة السياسية الخاصة به، فيها الكثير من التلقائية والبداوة، لكن فيها ـأيضاـ  بعضا من المسائل السلبية،  مثل كثرة الترحال السياسي وانتشار التملق، وغيرها من ممارسات مذمومة، وبالتالي فإنه من أجل دراستها فلا بد من استحضار خصوصيتنا المجتمعية، خاصة فيما يتعلق بتغول البنى التقليدية عندنا، وتأثيرها الكبير على الممارسة السياسية لدينا، فالكثير من مواطنينا للأسف يغلبون انتماءاتهم الضيقة وولاءاتهم الفرعية على المصالح الوطنية والولاء للوطن.   

الجديد نيوز : العالم يعيش صراعات كثيرة وتعديا على القانون الدولي، وغيابا لتأثير المنظومة الأممية بشكل فعال بسبب صراع القوى الدولية بمجلس الأمن. ماهي قراءتكم في هذه الصورة ؟.

رأيي هو أنه مهما بلغت المنظومة القانونية الدولية من الضعف فإنه ليس من مصلحتنا كبلدان من دول الجنوب القول بأن القانون الدولي غير موجود، فمثل هذا القول معناه أننا نعطي للقوى الكبرى في النظام الدولي االحق في استخدام قوتها الصلبة متى ما شاءات ضد الدول الضعيفة مثل بلداننا، وفي اعتقادي أن الأمر لا يتعلق فقط بكثرة الانتهاكات التي تحصل للنظم والقوانين  الدولية وإنما بسمات هذا القانون وخصائصه في حد ذاته، فالقانون الدولي هو عبارة عن نظام أفقي، بمعنى أنه ليس نظاما  عموديا ولا مركزيا،  وذلك نظرا لأنه يفتقد إلى نظام تراتبي للسلطات، لأن المخاطب الأساسي بالقانون الدولي هو الدول، وهذه الأخيرة هي متساوية أمام القانون، وبالتالي فإنه ليست فيه تراتبية ولاتسلسل هرمي، ولا تدرج للسلطات، كما هو الحال في النظام القانوني الوطني أو الداخلي،  كما أن القانون الدولي يفتقد إلى سلطة عليا فوق الدول، فلا وجود لحكومة عالمية تسهر على تنفيذ  القانون الدولي، وتعاقب من يخالف قواعده، عكس ماعليه الحال في القوانين الوطنية. 

الجديد نيوز : التخصصات القانونية مثل العلاقات الدولية والقانون الدولي والعلوم السياسية مفاتيح هامة لفهم عالم اليوم ماهي نسبة اهتمام الدارسين بها في موريتانيا ؟ 

كهواية فإن الموريتاني بطبعه هو شخص سياسي، ويحب السياسة، بما فيها العلاقات الدولية، أما كتخصص فإن الاهتمام بتخصص العلوم السياسية الذي تعد العلاقات الدولية والقانون الدولي جزء منه ما يزال عند حدوده الدنيا، وهو أمر كان طبيعيا في السابق، نظرا للغياب الكامل لأقسام العلوم السياسية في مؤسساتنا الجامعية، وغيرها من مؤسسات التعليم العالي الوطنية،  لكن من المتوقع أن يتغير الحال بحول الله في السنوات القادمة، خاصة في ظل افتتاح قسم للعلوم السياسية في كلية العلوم القانونية والسياسية، بجامعة انواكشوط، من المتوقع أن تتبعه أقسام أخرى في جامعات ومؤسسات تعليم عال أخرى.