المرحومة عائشة بنت أحمد للطلبة... المرأة الحديدية الوفية ــ الجديد نيوز

رحلت عن عمرناهز الستين قضته بين أطار والقصر الرئاسي والدوحة.. عادت لمسقط رأسها في طائرة عسكرية وجثمانها ملفوف بالعلم الوطني .

 

لم تكن الراحلة  عائشة بنت أحمد الطلبة حرم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد للطايع  رفيقة درب ـ فقط ـ بل كانت ذاكرةً حيّةً لسنواتٍ من الصبر والوفاء.

 

 وقفت إلى جانب زوجها في أقسى المنعطفات، حين تقاذفته الدروب، واشتدّت به العواصف، فتقاسما معًا مرارة المحن، وصبرا على تقلّبات الزمن وغدر القريب قبل البعيد.

 

شجاعة وصبر لايـنــفــد 

وصفها زوجها في إهداء بكتابه "نجاة العرب "بقوله: "كانت شجاعة وصابرة أمام المحن التي مررنا بها".

 

الفقيدة  قضت حوالي 15 عاما وهي السيدة الأولى لموريتانيا، فقد تزوجها الرئيس الأسبق في صيف 1991  بعد فترة قصيرة من وفاة زوجه "ساديا" منت محمد كامل  وهي من أصول لبنانية  وتوفيت بصعق كهربائي.

 

تعرف عنها دماثة الخلق، وقد عاشت مع زوجها بعد الانقلاب عليه  غربة طويلة في العاصمة القطرية (الدوحة)  كانت تخفي آلام الغربة خلف سكينة وهدوء تامين، لكن من يعرفها يدرك السرّ وراء ذلك، فقد تربت في بيت عز وأخلاق، ووصفها  أحد أساتذها في التعليم الثانوي نهاية التسعينات من القرن الماضي في ثانوية أطار  بقوله " إنها من بنات الطلبة، اللواتي يتمتعن بأخلاق رفيعة، مع تواضع واحتشام، كانت متميزة خاصة في مادتي  الرياضيات و اللغة العربية ودرسها المرحوم حبيب ولد محفوظ اللغة الفرنسية".

تحديان في القصر

 دخلت القصر الرئاسي وهي شابة قادمة من مدينة أطار، عمرها دون العشرين بعد وفاة الزوجة الأولى للرئيس الأسبق سادية محمد كامل.

 

صغر السن ووجود أبناء المرحومة ساديا كان واقعا  يجب على الوافدة الجديدة للقصرالتعامل معه بحنكة كبيرة.

 

دارت الأيام وكانت المرحومة تشق طريقها بذكاء بين عواصف القصر، وأمواج الحياة الاجتماعية الجديدة، من سيدة أولى إلى شريكة في التأثير التام في كل دوائر الدولة؛ تعدت النواحي البروتوكولية الشكلية .

 

يقول العارفون بها إنها كانت سيدة مجتمع، وتحب العلم والتعليم. عُرفت منت أحمد الطلبة بحضورها الهادئ، ومشاركتها في عدد من الأنشطة الاجتماعية، لا سيما خلال فترة تولي زوجها رئاسة البلاد، حيث كانت حاضرة في المناسبات الرسمية والفعاليات ذات الطابع الاجتماعي .

 

سنوات كثيرة من الحنين والحزن عاشها الرئيس الأسبق ولد الطايع وأولاده وبنته ... غربة ومنفى، ووفاة زوجة وفية وصبورة، بعد رحلة عمر  طبعتها الهزات السياسية وخذلان المقربين في أغلب المحطات.

مواجهة ... وشجاعة 

لم تكن صبيحة الثالث أغسطس 2005 يوما عاديا في حياة المرحومة عائشة، حيث كان عليها مواجهة الجميع ... في حين كان زوجها وبقية نظامه في طائرة تشق طريقها بين الغيوم  انتظارا للمصير الجديد الذي يتعلق ببلد كامل وليس به وأسرته الضيقة فقط .

 

كانت وأبناءها وحيدين في القصر الرئاسي لحظة سقوط النظام. ورغم مرارة  انقلاب حراس القصرعلى زوجها، فقد احتفظت بذكرى معاملتهم المحترمة لها، حيث سمحوا لها بمغادرة البلاد بكامل ممتلكاتها الشخصية وثروتها.

 

مهدت تلك الأحداث لبداية رحلة طويلة من الاغتراب، بعد اختيار ولد الطايع المقام في قطر إثر الانقلاب عليه،  بعد رحلة إلى المملكة العربية السعودية لتقديم واجب العزاء  في وفاة الملك فهد بن عبد العزيز.

 

قررالرئيس معاوية اعتزال السياسة، والتفرغ للحياة الاجتماعية، فكانت المرحومة هي عماد الأسرة وواجهتها ترد على المنتقدين وتربي الأبناء، وكان احتفاء الرئيس الحالي ولد الغزواني بها بدءا من تخصيص مرافقات رسمية لها، خير معين لها على تحمل الأعباء الجديدة  في الحياة .

 

عادت للمرة الأولى للبلاد في مارس 2023 في مناسبة حزينة ... وداع والدتها، وكأن المرحومة عائشة  ـ أيضاـ  كتب عليها أن تكون عودتها للوطن  قرينة بالوجع والفقد .

رضى الناس غاية لاتدرك 

عاشت المرحومة مع زوحها في الغربة مفضلة ذلك على العيش في الوطن وبين أهلها وفاء له، وصبرت على شتى المحن بدء بالغربة وانتهاء بانتقاد نظام زوجها وانتهاء صعوبات تحمل أعباء الأسرة الكبيرة في الغربة ..

 

سيرتها كانت مثيرة للجدل حيث يرى البعض أنها كانت وفية وصبورة وجابهت ظروفا قاسية وأزمات متنوعة وانتصرت في النهاية، وبين من يراها السيدة التي مكنت لعائلة الطايع والمقربين منه الدخول للقصر.

رحلة الوداع الأخيرة

في رحلة أخيرة وموجعة هبطت طائرة عسكرية  تقل جثمان المرحومة عائشة أحمد الطلبة ...كان الحضور رسميا وشعبيا ومهيبا، يذكر بأن الدنيا لا تدوم، وأننا قد نعيش قبسات من تاريخ مآس سابقة على غرار حوادث وقت  مع المعتمد بن عباد وسقوط الأندلس وبكائية أبو البقاء الرندي على غدر الزمان .

 

بفضل مواقع التواصل الاجتماعي ـأيضاـ شيع الكثير من الموريتانيين المرحومة ذاكرين فضلها وعددوا خصالها الحميدة، وكونها وفية وصبورة وسندا لزوجها عندما قلبت له الأيام ظهر المجنّ .