الصحة... لأن بناء منظومة صحية لا يتحقق بالقرارات المؤقتة
إذا كان التعليم يبني مستقبل الإنسان، فإن الصحة تحمي حياته. ولهذا، فإن بناء منظومة صحية قوية يتطلب رؤية متدرجة تتراكم فيها الإنجازات حتى تصبح الرعاية الصحية حقا متاحا لكل مواطن.
ومن هذا المنطلق، جعل صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إصلاح القطاع الصحي أحد المحاور الأساسية لمشروعه، انطلاقا من قناعة راسخة بأن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان وأن الصحة ينبغي أن تتحقق للجميع.
ومنذ عام 2019، اتجهت السياسة الصحية إلى معالجة الاختلالات البنيوية، لا بالاكتفاء بتوسيع الخدمات، بل بإعادة تعريف دور الدولة في حماية صحة المواطنين. فقد تم تشييد 30 نقطة ومركزا صحيا، وتوسعة المستشفى الوطني، واكتملت الأشغال في 28 مركزا صحيا في نواكشوط، فيما يجري، ضمن البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية للتنمية المحلية، تشييد 38 مركزا ومستشفى صحيا، وإنجاز 196 نقطة صحية، واقتناء 129 سيارة إسعاف، بما يجعل الخدمة الصحية أقرب إلى المواطنين وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجاتهم.
ولم يقتصر الإصلاح على البنية التحتية، بل امتد إلى جوهر الحماية الصحية. فقد تضاعف عدد المستفيدين من التأمين الصحي إلى نحو ثلاثة أضعاف، ليشمل الوالدين، والأرامل، والطلاب، وذوي الاحتياجات الخاصة، وعمال القطاع غير المصنف، وأكثر من 150 ألف أسرة متعففة، في تحول يعكس انتقال التأمين الصحي من خدمة محدودة إلى سياسة اجتماعية واسعة الأثر.
وتعزز هذا التوجه بإقرار مجانية خدمات أساسية تمس حياة المواطنين مباشرة، من بينها الإنعاش، والنقل الطبي، والعون الطبي الاستعجالي، وأدوية السل والسيدا، إضافة إلى تصفية الكلى وزراعتها. كما توسع الدعم ليشمل التكفل بعلاج أمراض القلب والسرطان والملاريا، ومتابعة وعلاج النساء الحوامل مقابل مبلغ رمزي، بما يخفف الأعباء المالية عن الأسر ويعزز فرص الحصول على العلاج.
وفي السياق نفسه، جاء إطلاق خدمات الصندوق الوطني للتضامن الصحي (كناس) ليشكل خطوة جديدة نحو توسيع مظلة الحماية الصحية، من خلال توفير تأمين اختياري لعمال القطاع غير المصنف، تتحمل الدولة نحو 65% من تكلفته، في تجسيد واضح للرؤية التي تبناها صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، والقائمة على جعل الحماية الصحية حقا أوسع نطاقا، لا امتيازا لفئة دون أخرى.
لكن هذه الإنجازات، على أهميتها، ليست نهاية المشروع الصحي، بل مرحلة من مسار ما زال يتطلب المزيد من الاستثمار والتوسعة وتحسين جودة الخدمات. فالمنظومات الصحية لا تبلغ الكمال بقرار واحد، وإنما تنمو عاما بعد عام، وكل خطوة فيها تؤسس لما بعدها.
ولهذا، فإن استمرارية المسار في قطاع الصحة ليست مجرد خيار في إدارة المرفق العام، بل هي شرط أساسي لترسيخ الحق في العلاج، وتعزيز العدالة الصحية، واستكمال مشروع بدأ يغير واقع الخدمات الصحية في البلاد. فالصحة، أكثر من غيرها، تحتاج إلى سياسات مستقرة، وإصلاحات متراكمة، وإرادة تواصل البناء بدل أن تعيد البدء.
وفي الصحة، كما في التعليم، يبقى استمرار المسار هو الضمان الحقيقي لاستمرارية المشروع.
