لو أمطرتْ ذهباً منْ بعدِ ما ذهبا
لا شيء يعدلُ في هذا الوجودِ أبا
أواخر عام 1970 حطت بمطار مدينة النعمة طائرة "فوكير 28" تابعة للخطوط الجوية الموريتانية تقل فتى بركنيا يافعا وسيما أنيقا، يتدفق حيوية وعلما وفهما، ويتوقد فطنة وذكاء وعطاء، ليجد في استقباله الوالي المساعد للولاية آنذاك الرئيس الأسبق المرحوم المصطفى ولد محمد السالك طيب الله ثراه رفقة السلطات الإدارية والعسكرية.
لم يكن ذلك الفتى اليافع اللوذعي الألمعي يومها إلا والدنا المغفور له بإذن الله تعالى عابدين ولد سيد الأمين رفقة زميل له، اختارتهما الدولة الموريتانية الفتية لإطلاق مشروع تربوي يشكل علامة فارقة في تاريخ المنطقة، يتمثل في تأسيس أول إعدادية في ولاية الحوض الشرقي.
وانطلقت فصول الرحلة العلمية التربوية للوالد من ذلك التاريخ، فباشر مهامه في التدريس والتأطير والتعليم وصناعة الأجيال، وكانت أول دفعة من طلابه في هذا المشروع التربوي الكبير والصرح العلمي العريق، تضم مجموعة أصبحت فيما بعد قادة ووزراء وصناع قرار في البلد من بينهم - مع حفظ الألقاب وعلى سبيل المثال لاالحصر- :(الشيخ العافية ولد محمد خونه - لمرابط ولد سيدى محمود - حنن ولد سيدى - حمادى ولد اميمو - محمد عبد الرحمن ولد الداه - سيدأحمد ولد عبد القادر ولد خو...والقائمة تطول )..لتتواصل أفواج وأجيال مخرجات هذه المؤسسة طيلة عقود من الزمن، جسدت ثمار غرسه وحصاد عطائه، ومابث في الصدور وأودع في العقول من وعي وعلم وقيم وأدب.
بدأ الوالد رحمه الله مشواره في التحصيل العلمي بحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ودرس المتون المحظرية، وظهرت عليه مخائل النبوغ الفكري والذكاء الفطري، فالتحق بمعهد أبي تلميت وتخرج منه متفوقا، ودخل مدرسة تكوين المعلمين فكان الأول من دفعته، وأكمل تعليمه لاحقا في المدرسة العليا للأستاذة التي تحصل منها على شهادة الكفاءة في التدريس، وناقش فيها بإشراف المرحوم جمال ولد الحسن وأساتذة تونسيين بحث تخرجه المتمثل في جمع وتحقيق ودراسة وتحليل اللامية الكبرى للشيخ سيد البكاي ولد الشيخ سيدى محمد ولد الشيخ سيد المختار الكنتي، ونقيضتها لأحمد سالم ولد السالك الحاجي.
ولم يكن ابن "آفطوط" غريبا في "الحوظ" بل هو ممتد في فضاءات التاريخ، منغرس في مداءات الجغرافيا..إنه وهو المفتون بالسهول الممرعة في مكطع لحجار والأودية الخضلة في لبراكنة، قد شغف حبا "بأرض الحوظ" فهام بجبالها وهضابها ووهادها، وارتبط ارتباطا وثيقا بتراثها وتاريخها وحاضرها، وتماهى مع بدوها وحضرها وبشرها وشجرها، فأصبحت له الوطن والسكن، إذ هو بين أهله وأبناء عمومته وطلابه وذويه ومحبيه، فكان بيته في مدينة النعمة أول بيوتات عشيره تأسيسا، وأصبح قبلة للجميع ومأوى لهم؛ طلابا وعمالا وتجارا وزوارا وأصحاب حاجات مختلفة يجدون ضالتهم وبغيتهم، ويمكثون معززين مكرمين، وكان رحمه الله كثير السعي في قضاء حوائج الناس، كسوة وإطعاما وإكراما وإنفاقا وتعليما، وعلاجا للمريض وتصدقا على المسكين وبذلا للمحتاج، قال لى أحد أطر الحوض الشرقي مرة واصفا علاقة الوالد بالمنطقة : عابدين ولد سيد الأمين هدية الغرب للشرق.
كان رحمه الله عابدا زاهدا، صواما قواما، مصلحا حصيفا، خطيبا فصيحا، كاتبا شاعرا، فارسا آسرا، راميا ماهرا، عروبيا قوميا، محدثا سيروريا، متبحرا بتراث العربية وأشعارها، عالما بتاريخ العرب وأيامها وأنسابها، فاق أقرانه وبز أترابه في السياسة والفتوة والثقافة والأدب، انتهج نهج الفتيان وتخلق بأخلاق الفرسان، وتحلى بقيم العظام وشيم الكرام، فكان دمث الأخلاق سمحا، جم التواضع ناصحا، عنوانا للمروؤة والشهامة، رمزا للحلم والاستقامة، أمينا حكيما، نبيها مفوها، إذا حضر مجلسا خطف الأنظار وسحر الألباب وأسر العقول، وفاض على الناس رحيق علم وأريج فهم وعبق حكم.
طار ذكره وذاع صيته ووضع الله له القبول فأصبح فاعلا سياسيا ومصلحا اجتماعيا، انتخب مستشارا في أول مجلس بلدي في مدينة النعمة، وكان رئيسا لإحدى مناطقها، وأمينا توجيهيا واتحاديا للحزب الحاكم على مستوى ولاية الحوض الشرقي، صال وجال في الحوض غربا وشرقا، إصلاحا لذات البين وجسرا للهوة بين الفرقاء والخصوم، ووفق في التمكين لقيم السلم والحلم، ونشر ثقافة التسامح والتصالح بين مختلف المجموعات المحلية في المنطقة.
أسس -رحمه الله- مكتبة ضخمة زاخرة بأمهات الكتب وكنوز التراث ونفائس المخطوطات، فضلا عن مئات المؤلفات في مختلف المجالات؛ ضمت التفاسير والصحاح والفقه والسير والتراجم واللغة والآداب والفكر والفلسفة والمعارف الحديثة، وكانت محجة للجميع، وقد ترعرعنا في أحضانها، فنشأنا نحبو على بساط من "القاموس المحيط، ولسان العرب، ونهج البلاغة، والبيان والتبيين، والخصائص، والمعلقات، وعيون الشعر العربي طارفها وتليدها، وكتب الأدب والنقد قديمها وحديثها، وقد عاش رحمه الله نصيرا وظهيرا لطلاب العلم، وسندا وعضدا للباحثين، واضعا جهوده العلمية والتعليمية في خدمة العلم والبحث والتحقيق والتأليف.
وأذكر أن بيتنا كان دائما في كل المواسم والفصول عامرا بحلقة من خلانه وأقرانه من وجهاء العشيرة أمثال : ( الشيخ وأحمد ابني كبادى- الشيخ الناجي ولد حمادى- أحمد ولد جدو- ييه ولد اجيد - ابوه ولد اخيارهم - خطار ولد أحمد ولد محمد...)..فضلا عن ضيوفه الدائمين وجيرانه من شيوخ لحمنات: (ابوه ولد بيبوه- معروف ولد عياد - محمد ولد كرديدي- حمود ولد أميناط...) رحم الله متوفيهم، وأمد في عمر الأحياء منهم، وكان ديدنه ونهجه أن يولم الولائم، ويطعم الطعام، ويقرى الضيوف، ويحرص على أصول الضيافة وطقوس الوفادة، سواء كنا في منزلنا بالمدينة، أوفي منتجعنا بالبادية.
وكان -تغمده الله بواسع رحمته - كثير الثناء على الله، شاكرا لأنعمه، أوابا منيبا ورعا، ومن صور ورعه الشاهدة على زهده في الدنيا وإقباله على الله أنه قرر اعتزال السياسة مبكرا، رغم وجاهته الاجتماعية المعروفة ومكانته السياسية المرموقة، فقد أعرض عن كل ذلك تورعا منه، وتفرغا للعبادة والمطالعة، كما تخلى عن كثير من مظاهر الفتوة المجتمعية للسبب نفسه، ومن أمثلة ذلك أنه قدم عليه أحد أساطين أسرنا الفنية العريقة تعود قصده، فلما أراد أن ينشده مدحا (اتهيدين) استوقفه قائلا : "فلان آن ذاك اوفيت منُّ" ، ثم أكرم وفادته وقراه وأجزل له العطاء كعادته وصرفه.
وكان -أحل الله عليه رضوانه- مولعا في حله وترحاله بصحبة كتب التفسير والحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي، وقرر في آخر فترة مزاولته للتعليم العزوف عن تدريس الأدب الحديث ، وتفرغ لمادة التربية والفكر الإسلامي، وقد عكف في آخر أيامه على قراءة تفسير ابن كثير، وفتح البارى في شرح صحيح البخاري والروض الأنف في السيرة، وترك فيه مرجعا عند باب : ذكر سرد النسب الزكي للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المحب الذي لا ترقأ له دمعة حين يحدث عن رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه.
قلما دخلت إدارة أو وزارة أومرفقا حكوميا عاما، إلا لمست ثمار غرسه ، والتقيت حصاد زرعه، فيقابلنى طلابه بفيض من المشاعر الجياشة المفعمة بالتقدير والتبجيل والمودة والمحبة، ويبادروننى بعبارتهم الأثيرة : "أهلا بابن أستاذنا الجليل، من علمنا الأدب والعلم والقيم "..فتغمرنى مشاعر الزهو والخيلاء، وتتملكنى أحاسيس الفخر والكبرياء، منتشيا بحظوة الولاء والانتماء لهذه القامة العلمية السامقة.
ذلك مجرد غيض من فيض هذه الأيقونة العلمية ورحلتها المعرفية الضافية، المضمخة بتراث باذخ من الحلم والعلم والصلاح والكرم، تلك الرحلة التي اكتملت ليلة الخميس السادس عشر يناير 2025، وترجل الفارس بعد وعكة صحية ألمت به ولم تمهله كثيرا، فأسلم الروح الطاهرة لبارئها، بعد أن لوح بيديه مودعا أفراد عائلته واحدا..واحدا ، رابط الجأش قويا متماسكا، وظل خلال يوم واحد قضاه بالمستشفى مشتغلا بالذكر والدعاء والصلاة.
حين نام رحمه الله نومته الأخيرة كشفت عن وجهه الغطاء، وقبلت جبينه الوضاء، وبدأت ألهج بالدعاء، مسلما بالقدر والقضاء :
رحم الله لسان الضاد.. فخر الأبناء والأحفاد..وذخر الأجيال والأمجاد!..
أسأل الله سبحانه وتعالى في هذه الجمعة الموافقة للذكرى الأولى لرحيله، أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يلقيه نضرة وسرورا، ويملأ قبره عليه خضرا ونورا، ويجعله روضة من رياض الجنة، وأن يكتبه في عليين مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
