الغربة حكاية الروح بين الأمل والحنين

 

د.سليمة زايد الورفلي / شاعرة وكاتبة ليبيّة

 

الغربة ليست مجرد مسافة تُقاس بالكيلومترات بين إنسان ووطنه، بل هي مسافة بين القلب وما اعتاد أن يحتضنه. هي ذلك الشعور الذي يتسلل في صمت حين يهبط الليل، فيجد المغترب نفسه غريباً بين وجوه لا يعرفها، وأصوات لا تشبه أصوات أحبته.  
في الغربة يتعلم الإنسان أن يكون قوياً، أن يواجه وحده تفاصيل الحياة الصغيرة التي كانت تبدو بديهية في الوطن: ابتسامة الأم، دفء الأصدقاء، رائحة الخبز الطازج في الصباح. لكنه يكتشف أيضاً أن الحنين أقوى من كل قوة، وأنه مهما حاول أن يزرع جذوراً جديدة، يبقى قلبه مشدوداً إلى أرضه الأولى.  
الغربة ليست كلها ألماً، فهي أيضاً نافذة على العالم، تمنح المغترب فرصة لاكتشاف نفسه، وتفتح أمامه أبواباً لم يكن يتصورها. هناك من يجد فيها بداية جديدة، وهناك من يراها اختباراً قاسياً يعلّمه الصبر والقدرة على التكيف. لكنها في كل الأحوال تترك ندوباً في الروح، ندوباً لا يراها أحد، لكنها ترافقه أينما ذهب.  
هي رحلة مزدوجة بحث عن مستقبل أفضل، ومحاولة الحفاظ على الجذور التي تربطه بأهله وأرضه. وفي النهاية، يدرك المغترب أن الوطن ليس مجرد مكان، بل هو ذاكرة ووجدان، وأن الغربة مهما طالت تبقى محطة مؤقتة في رحلة الإنسان نحو ذاته.  
الخاتمةالغربة قصة إنسانية تتكرر عبر الأجيال، لكنها تظل مختلفة في تفاصيلها لكل شخص يعيشها. هي مزيج من الأمل والحنين، من القوة والضعف، من الفرح والحزن. ومن يعيشها يعرف أن الإنسان، أينما ذهب، يحمل وطنه في قلبه وأن الحنين هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.