شاعرة برتبة مشروع ثقافي .. حين يتقاطع الشعر مع المعلوماتية والتسويق ــ الجديد نيوز


 

الجديد نيوز (خاص)


​حين تتحدث الشاعرة الموريتانية فاطمة محمد يحيى (المعروفة بـ "نزيهة") عن بداياتها، فإنها تأخذنا إلى عالم طفولي غارق في السحر البكر؛ حيث لم تكن تفقه من الشعر علومه، لكن إيقاعه كان يتدفق في روحها كجدول خفي.

كان البيت الشعري بالنسبة لها أشبه بلعبة موسيقية متقنة تستقر في وجدانها قبل أن تصل إلى عقلها.

وفي منزل عامر بالسمر الأدبي "الندوة الشعرية"، نشأت على إيقاع الأوزان والقوافي، لتتحول تلك العفوية الطفولية لاحقاً – بدوافع القراءة النهمة وتوجيهات القدر – إلى تخصص أكاديمي دقيق في النحو والصرف والعروض.

هكذا التقى التذوق الصافي بالدراسة الصارمة، فوُلد ذلك الصوت الأدبي الفريد الذي يزن الكلمة بميزان الذهب.

​ شهادة الميلاد ورِفعة المدح

​لم تكن المسابقات في مسيرة نزيهة مجرد جوائز تُعلق على الجدران، بل كانت محطات وجودية؛
في ​مسابقة الأسبوع الوطني للثقافة في ألاك  نادت الحناجر باسمها متوجة إياها بالمرتبة الأولى في الشعر الفصيح. هناك في مسقط رأسها، لم يعد الشعر سراً دافئاً في دفاترها الخاصة، بل صار صوتاً عالياً تصدح به المنابر وتصفق له الجماهير، مانحاً إياها "الشرعية الجهوية" والثقة المطلقة.
وفي ​مسابقة "شاعر الرسول" المحطة التي هذبت لغتها وربّت قلبها. تقول إنها لم تسعَ من خلالها لمتعة اللقب فحسب، بل لذروة الشرف في مدح المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ مدركةً أن أجمل القصائد وأصدقها هي تلك التي تُنسج في محراب المحبة النبوية الكبرى.

​"ارتواء" .. البوح المؤجل

​على ملفات جهازها الخاص، تختمر تجارب كاملة تنتظر نور النشر. ديوانها القادم "ارتواء" ليس مجرد مجموعة شعرية، بل هو صرخة وعي أنثوية، ووطنية، ووجدانية.
و​صوت أنثوي مستقل تكتب المرأة فيه عن ذاتها بلسانها، بعيداً عن الصور النمطية التي أطرها الشعر القديم.
وتحبّر فيه ​بمداد الوجدان حب موريتانيا، وتغوص في أعماق الحب والانتظار واليقين، لتؤكد أن لغة النساء قادرة على أن تكون فصيحة، جزلة، وعميقة دون أن تتنازل عن أنوثتها.

​هندسة الفكر بين القصة والمقال

​عندما تنتقل فاطمة بين عوالم الفن النثري، فإنها تدرك تماماً فقه التنوع الدلالي:
​في القصة القصيرة (التي حازت فيها على المرتبة الثانية في مسابقة "الكاتب الذهبي")، تكون مقتصدة، تترك مساحات شاسعة لتنفس القارئ ووعيه.
​وفي المقال الفكري (الحائزة فيه على المرتبة الرابعة عربياً)، ترتدي درع الحجة البرهانية المباشرة والدفاع الصلب عن الفكرة.
هذا التناغم بين التلميح القصصي والتوضيح المقالي يمنح كتاباتها عمقاً إنسانياً وحيوية فكرية متبادلة.

​ مشروع تكاملي: حين تلتقي اللغات الثلاث

​ما يميز نزيهة هو ذلك الامتزاج المعرفي النادر؛ فهي لم تكتفِ بعلوم النحو والصرف التي تمنح نصوصها دقة الهندسة وحراسة الحركات، بل عبرت إلى المعلوماتية لتستوعب لغة العصر الرقمي وتوثيق الحضور، واستفادت من المحاسبة التسويقية لتدرك الحقيقة التي يغفل عنها كثير من المبدعين: أن النص الرائع يحتاج إلى إدارة وتسويق ووصول ذكي للجمهور.

​ رسالة المعلمة وقائدة المشهد

​من قاعة الدرس حيث تعمل "معلماً رئيسياً"، إلى ساحات العمل النسوي القيادي (في المنتدى الثقافي ونادي الكتاب الساخرين)، ترفع فاطمة لواء التجديد:
​في التعليم: ترفض جفاف القواعد التلقينية، وتدعو لتقديم النص الحي المفعم بالحياة والقدوة الطيبة.

​في المشهد الثقافي: ترى في المرأة الموريتانية شريكاً حقيقياً لا ضيفاً، وجسراً أميناً يربط بين عراقة الجدات وسرعة أجيال المستقبل.

​في رؤيتها للواقع: لا تخفي قلقها من ركود المشهد الثقافي وموسميته وفجوة النقد وغياب دور النشر، لكنها تظل متفائلة بجمهور واعٍ يقرأ وينتظر الغد.

​وتظل "نزيهة" أكثر من مجرد شاعرة حائزة على الألقاب؛ إنها مشروع ثقافي متكامل يربط بين عراقة التراث وتطلعات المستقبل. ومن بين قاعات التدريس ومحراب المدح النبوي، تواصل كتابة أثرها الباقي، مبرهنةً أن الكلمة الصادقة - متى ما امتزجت بالمثابرة والمعرفة - قادرة على أن تتجاوز جغرافيا المكان لتبقى منارة تهتدي بها الأجيال.