الوزير السابق محمد فال ولد بلّال يكتب: تسوية الإرث الإنساني… نعم؛

 رغم العواصف والتحديات استطاع الموريتانيون بناء دولة مستقلة وذات سيادة على رمال متحركة. لم يكن الطريق أمامهم مفروشا بالزهور والورود، وما ينبغي له أن يكون؛ بل كان مليئا بالأشواك والعراقيل.


 محطات


لم يخلُ المسار من جرائم وأخطاء وإخفاقات وهفوات. لقد عانى الشعب بجميع فئاته ومكوّناته الظلم والقمع والتنكيل. وتعرض للعنف، والسجن، والتعذيب. لم تنجُ المؤسسات المدرسية، والمنشآت الاقتصادية، والثكنات العسكرية من عمليات قمع واستهداف خلّفت ضحايا ومظالم كثيرة. أذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر.


هجوم - اعمارةْ النعمة 


27 مارس 1962: وقع هجوم مسلح ضد الحامية الفرنسية المتمركزة في مدينة النعمة، خلّف مقتل 3 جنود فرنسيين، وإصابة 13 جندياً من جنسيات مختلفة. وتمّ اعتقال 3 متهمين. نُفذ الإعدام فى اثنين منهم، يوم 2 مايو 1962 بناء على حكم صادر عن محكمة مختصة ..


 انقلاب 16 مارس 1981


جرت محاولة انقلابية فاشلة ضد الرئيس محمد خونه ولد هيداله، حفظه الله. وتمّ اعتقال كل الضالعين فيها. نُفِّذ الاعدام في 4 منهم، يوم 26 مارس 1981 بناء على حكم بتاريخ 24 مارس 1981 صادر عن محكمة عسكرية خاصة.
- انقلاب أكتوبر 1987 
في 22 أكتوبر 1987، أعلن عن إحباط انقلاب عسكري ضد نظام الرئيس معاوية ولد الطائع، حفظه الله، يقوده ضباط من إخوتنا الزنوج. تمّ اعتقال العشرات منهم، ومحاكمة 51.. صدرت أحكام بالإعدام يوم 3 ديسمبر 1987 ضد 3 منهم بعد محاكمة دامت قرابة شهرين. وتمّ تنفيذ حكم الإعدام يوم 6 ديسمبر 1987.
انقلاب 8 يونيو  2003
جرت محاولة انقلابية دموية فاشلة، خلفت خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. وانتهت باعتقال كبار المسؤولين ومثولهم أمام المحاكم المختصة. وصدرت في يناير 2005 أحكام مختلفة بشأنهم، من بينها السجن المؤبد مع الأعمال الشاقة.
- ازويرات 29 مايو 1968
بالإضافة إلى ما سبق، تُعد عملية إطلاق النار على عمال "الزويرات" يوم 29 مايو 1968 هي الأشد فظاعة.. وقد قالت السلطة آنذاك بأن الحادثة وقعت ضمن تدابير استثنائية تقتضيها الظروف وبعد استصدار الأوامر اللازمة باستدعاء الاستعانة بالجيش (requisition de l’armée ) بالطرق القانونية.
ـمظالم مدنية وعسكرية أخرى
منذ الاستقلال وحتى اليوم ونحن نشاهد المظالم والجرائم، مثل السجن والتعذيب والطرد والتسريح من العمل.. وهكذا - مثلاً -  تم تسريح مئات الضباط والجنود العرب بعد محاولات انقلابية - حقيقية و/أو وهمية - توالت في العقدين الأخيرين، هذا صحيح، لكن مثل هذه التجاوزات لا تصل إلى مستوى جرائم الدم. ولا أعتقد أن أحدا يعارض تسويتها في سياق منفصل عن قضايا القتل خارج القانون.


 أحداث 90-91


في سجل المظالم، تُعتبر أحداث 90-91 هي الأكثر ضررا وإضرارا، والأكثر تأثيرا وبشاعة في مسار دولتنا الحديثة. لا يمكن  بحال من الأحوال مقارنتها بغيرها من الجرائم والتجاوزات التي حصلت في مخافر الشرطة وثكنات الجيش؛ وذلك لعدة أسباب، أذكر منها:  
- 1 إن ضحايا 90-91 خلافا لغيرهم من ضحايا الظلم والعنف لم يستفيدوا من أي نوع من أنواع  العدالة، حتى المحاكمات "الصورية" و"الزائفة" لم تكن من نصيبهم ..وهذا الاستثناء هو مكمن الداء وأسُّ البلاء.
2- كل المشبه بهم كانوا من قومية واحدة، وهذا في حد ذاته أمر بالغ الخطورة يستدعي الانتباه والحذر من أي تصرف لا تحمد عُقباه. ورغم ما قيل عن نواياهم "المُروِعة" وأهدافهم "الكارثية"، فلا شيء يبرر ما تعرضوا إليه من عقاب جماعي خارج القانون؟
3- واقع الحال اليوم يقول بوجوب تسوية هذه المشكلة التي طالما قسمت البلاد، وشوهت صورتها، وأعاقت تقدمها. ذلك ما يقتضيه العقل، وتمليه البراغماتية والواقعية السياسية.
4- مسألة "الإرث الإنساني" تحولت إلى “قضية" إثنية و"سردية" قوية. وأصبحت تهديدا حقيقيا للوحدة الوطنية في الداخل والسمعة في الخارج. بلغت ما بلغت من الرّواج والانتشار بسبب جهد إعلامي متواصل وكثيف تمثل في جمع شهادات الناجين، وكتابة المذكرات، والروايات، والمؤلفات، والبحوث، والدراسات، وصناعة الأفلام والوثائقيات، والمسرحيات، واللوحات الفنية، والمعارض الفوتوغرافية، والفيديوهات، والأغاني الموسيقية. وكذا  تحريك المنظمات الدولية، وتقديم تقارير دورية لمجالس حقوق الإنسان، والهيئات الحقوقية الكبرى. هذا بالإضافة إلى الضغط الشعبي والدبلوماسي، وحملات التواصل الاجتماعي (الهاشتاغات)، وتنظيم المؤتمرات والندوات. وهذا الجهد الإعلامي جاء نتيجة تضافر الجهود بين كل القوى السياسية المعارضة لنظام الرئيس معاوية ولد الطائع التي اتخذت من هذه "السردية" مطية لها، وعملت على نشرها و إرسائها أكثر مما قامت بها "افلام" والمنظمات الحقوقية المعنية نفسها… 
هكذا، أصبح "الإرث الإنساني" كابوسا حقيقيا يطارد بلادنا في الداخل والخارج. لا مناص من تسويته. 


الطريق إلى التسوية


بعد صمت رسمي طويل حيال القضية، وبعد 15 عاما من توظيفها ضد الرئيس معاوية من قِبَل المعارضة بكافة أطيافها وألوانها، بدأت الحكومة الموريتانية في معالجة المسألة عام 2007 مع تولي الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، رحمه الله، مقاليد الحكم. منذ ذلك التاريخ، قامت الدولة بلفتات قوية تمثلت في اعتراف رئيس الجمهورية بالمعاناة التي لحقت بضحايا الأحداث، وقدم اعتذرا باسم الدولة الموريتانية في خطاب رسمي صريح بتاريخ 27 يونيو 2007، وبادر بتصحيح الأخطاء بدءا بعودة أفواج اللاجئين يوم 8 يناير 2008، وانتهاء بإنشاء وكالة خاصة لإعادة دمجهم في الحياة النشطة. وفي يوم 25 مارس 2009، أقامت الحكومة بحضور رئيس الجمهورية السابق، محمد ولد عبد العزيز، حفظه الله، "صلاة الغائب" ترحما على أرواح المفقودين. وفي 2020-2021، بدأ التشاور بشكل جدّي حول التعويض المالي مع الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، حفظه الله. هذه كلها خطوات إيجابية ومهمة، ولكنها تترك الشعور بعمل غير مكتمل حتى الآن. ولذلك، يجب توطيدها وتعزيزها بفعل إنساني وسياسي شفاف يستهدف جبر القلوب والخواطر. وقد أظهر فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حفظه الله، عزمه على ذلك حين جعل هذا الموضوع عنوانا بارزا من عناوين الحوار الوطني المزمع انعقاده قريبا. ويمتلك فخامته بحكم اعتداله ورزانته وإيمانه بقيمة الحوار وفضيلة الانفتاح، من المقدرات ما يؤهله لتسوية هذا الملف وإغلاقه نهائيا على نهج "العدالة الانتقالية" الهادفة إلى المصالحة والتسامح، بعيدا عن المعاندة، والمكابرة، والحِقْد، والاقتصاص. القضية تحتاج إلى توافق الأمة وتضافر جهود أبنائها…كل أبنائها.
والله ولي التوفيق