العلاقات الموريتانية الجزائرية : عقود من التعاون المثمر... والتضامن البناء ــ الجديد نيوز

 

تقرير : محمد ولد أعمر

 

العلاقات الموريتانية الجزائرية أخوية وتاريخية متينة، وقد شهدت تطوراً ملحوظاً في الجانبين  الاقتصادي والأمني مؤخراً، وتتركز حالياً على تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتيسيرالتبادل التجاري عبر المعابر الحدودية الجديدة والمشاريع التنموية المشتركة.

 

وفي خضم التحولات الجيوسياسية العميقة التي تعصف بمنطقة الساحل وشمال إفريقيا، أبرم البلدان  اتفاقيتي تعاون في إبريل الماضي إحداهما تتعلق بالتعاون الدفاعي العام، والأخرى بحماية المعلومات السرية.

 

البلدان لديها حدود برية طويلة، وتربطهما وشائج كثيرة إضافة للجوار الجغرافي والتاريخي وللغة  ولديهما مصالح سياسية واقتصادية كبيرة تتعزز باستمرار بعيدا عن التأثيرات السياسية الكثيرة في المنطقة .

التقرير التالي يعرض لعلاقات البلدين وأبرزمحاورها .

 

سبق تاريخي مشهود

 

كانت الجزائر سباقة في تقديم الدعم القوي لموريتانيا منذ استقلالها وإالى اليوم في كل المجالات، خاصة في المجال الاقتصادي وتكوين الكوادر الموريتانية للدولة الوليدة، وساعدت موريتانيا على إنشاء عملتها السيادية الحالية الأوقية .

 

كما وقفت الجرائر إلى جانبا بلادنا في شتى الظروف وعملت على تقديم المساعدة وأنواع الدعم المطلوب، وعملت على تدفق الاستثمارات إليها في شتى المجالات .

 

والعلاقة بين البلدين تتجاوز كونهما دولتين جارتين لتصل إلى مستوى شراكة استراتيجية عميقة، مدعومة بتاريخ طويل من التضامن والتعاون، مع التركيز الحالي على الاستفادة الاقتصادية والأمنية المشتركة.

 

وهناك جهود متزايدة لتعزيز التنسيق الأمني في منطقة الصحراء والساحل، لمواجهة التحديات المشتركة التي تحدق بالبلدين ويمثل ضبط الأمن فيها مشكلة كبيرة، نظرا لاتساع تلك المنطقة وتنوع التهديديات التي تحتويها من إرهابيين وعصابات تهريب ومتمردين وغيرهم. 

 

التعاون الاقتصادي ... عنوان مرحلة جديدة 

 

يحظى التعاون الاقتصادي بين البلدين بديناميكية كبيرة منذ عدة سنوات وقد تنوعت جوانبه.

 

ففي 2018 افتتح أول معبر حدودي بين الدولتين منذ استقلالهما عن فرنسا عام 1960، وأصبح التعاون التجاري والتبادل الاقتصادي عنوان المرحلة الجديدة من العلاقات.

 

وقد وجهت حكومة الجزائر وقتها أرباب العمل ورؤساء شركات التصنيع إلى السوق الموريتانية، فتم تنظيم معرض المنتجات الجزائرية في أكتوبر 2018 وشاركت فيه 170 مؤسسة جزائرية..

وبعد انتخاب الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني 2019 مضى في التوجه نحو استعادة التعاون الاقتصادي والزخم السياسي مع الجزائر التي قال في وقت لاحق إنها شريك تاريخي لدولته.

 

وقد تم توقيع 26 اتفاقا شملت المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضمن أشغال اللجنة المشتركة للتعاون بين البلدين في 2022 حينها، قال وزير الطاقة الجزائري إن بلاده مستعدة لتأمين حاجة موريتانيا من النفط والعودة إلى سوق المحروقات في موريتانيا.

 

وقد قفز حجم التبادل التجاري من 50 مليون دولار عام 2018 إلى 414 مليون دولار سنة 2023، حسب الأرقام الصادرة عن وزارة التجارة والصناعة الجزائرية.

 

ويتوقع أن يصل في العام الجاري إلى 700 مليون دولار مقارنة بنتائج الارتفاع في العامين الماضيين، كما ارتفع حجم إقبال الموريتانيين على البضائع الجزائرية خلال السنوات القليلة الماضية.

 

وتؤكد الجزائر أنها باتت الشريك التجاري الأول لموريتانيا، مضيفا أن حجم التبادل التجاري زاد بنسبة 150% .

 

كما تم تدشين طريق تيندوف - زويرات في 2024 بين البلدين ويمتد هذا الطريق الاستراتيجي على مسافة 840 كيلومترا وتبلغ كلفته أزيد من 600 مليون دولار ويتم إنجازه من طرف 10 مؤسسات جزائرية،

 

لكن الجزائر التي مولت الطريق الصحراوي لا ترمي فقط للوصول إلى المناجم والمعادن في وزويرات وعرض منتجاتها في بقية مدن موريتانيا، بل تهدف إلى العبور من هذه الصحراء الشاسعة نحو الأسواق الواعدة في أفريقيا الذي يقارب ناتجها 800 مليار دولار وعدد سكان 400 مليون نسمة.

 

وقد ركز الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في كلمته بالمؤتمر الذي عقد بنواكشوط حول التعليم بإفريقيا  ونوّه على العناية التي توليها حكومته لإفريقيا وتعهد ببذل المزيد من الجهود في سبيل تحسين التعليم في القارة، مضيفا أن عدد الطلبة الأفارقة المسجلين حاليا في جامعات الجزائر يبلغ نحو 6 آلاف، في حين تخصص البلاد 2000 منحة دراسية سنوية في التعليم العالي و500 منحة دراسية في التكوين المهني للطلبة الأفارقة.

 

ومنذ عام 2023 فتحت الجزائر فروعا بنكية في نواكشوط ونواذيبو ودكار وكوت ديفوار، بهدف تسهيل النفوذ إلى الأسواق في المنطقة، كما عملت بتجارة المقايضة (بيع سلعة بسلعة) مع موريتانيا ومالي والنيجر.

 

علاقات ممتازة... وديناميكية 

 

السفيرالجزائري سعادة السيد أمين صيد قال في تصريح له عقب اعتماده بموريتانيا إبريل الماضي: أنه تطرق مع الرئيس محمد ولد  الغزواني إلى جملة من النقاط تتعلق بالأخوة والتعاون والتضامن القائم بين البلدين الشقيقين، والذي شهد خلال السنوات الأخيرة وتيرة متسارعة وديناميكية كبيرة، مثلما كيّفها الرئيس عبد المجيد تبون بالعلاقات المتميزة والجيدة جدا، مبرزا أن هذه العلاقات ترجمت على أعلى مستوى وتنسيق دائم ومتواصل ومستمر، كان آخرها زيارة الدولة التي قام بها  الرئيس عبد المجيد تبون لموريتانيا في ديسمبر 2024

 

وأوضح أن هذه الإرادة ترجمت كذلك بعدد من المشاريع والشراكة الهامة في إطار تحقيق التكامل البيني بين البلدين الشقيقين وتعزيز الاندماج الإقليمي.

 

وعبرالسفير عن إرادته الصادقة في تعزيز العلاقات والارتقاء بها إلى أعلى مستوى خدمة لتطلعات الشعبين الشقيقين الجارين، مشيرا إلى أن الروابط الدينية والثقافية والجغرافية والتاريخية تتطلب لحمة قوية ومسؤولية وشرفا عظيما.

 

زيارات رئاسية متبادلة 

 

منذ أن تولى الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني مقاليد الحكم سنة 2019 زار الجزائر 5 مرات، من ضمنها زيارة دولة تم خلالها التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.

 

ووسط وتيرة التقارب المتصاعدة، زارالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون العاصمة الموريتانية نواكشوط مؤخرا، للمشاركة في المؤتمر القاري حول "التعليم ومستقبل الشباب والقابلية للتوظيف" المنظم برعاية الاتحاد الإفريقي الذي ترأسه محمد ولد الغزواني.

 

وحظيت الزيارة بزخم إعلامي كبير، لكونها أول زيارة لرئيس جزائري إلى نواكشوط منذ عهد الرئيس الأسبق الراحل الشاذلي بن جديد، الذي زار موريتانيا عام 1987 للمشاركة في حفل انطلاق مشروع مصفاة النفط في العاصمة الاقتصادية نواذيبو الذي كانت بلاده مساهمة في تمويله وإدارته.

.

إكراهات أمنية ... وتحديات مشتركة.. 

 

تتقاسم نواكشوط والجزائر حدود برية حساسة يبلغ طولها 460 كيلومترا، وتنشط قربها العديد من الجماعات المسلحة، وعصابات الجريمة المنظمة التي تعمل في التهريب وتجارة المواد غير المشروعة.

 

وبفعل إكراهات الجغرافيا، تشترك نواكشوط والجزائر في حدود متداخلة مع دول الساحل الثلاث (مالي، النيجر، بوركينافاسو) التي جاءت في قائمة العشر الأولى ضمن تقرير مؤشر الإرهاب الأخير الصادر عن معهد السلام والاقتصاد الدولي في سيدني بأستراليا.

 

وبالإضافة للمصالح الاقتصادية المشتركة، تتقاسم الجزائر وموريتانيا تحديات أمنية تتسع رقعتها بسبب انهيار الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل بغرب أفريقيا.

 

وأمام هذه التحركات، أرادت الجزائر أن تنسق مع نواكشوط لاشتراكهما في التحديات الأمنية نفسها التي تهدد استقرار الجارتين.

 

وفي خضم التحولات الجيوسياسية العميقة التي تعصف بمنطقة الساحل وشمال إفريقيا، أبرمت الجزائر وموريتانيا اتفاقيتي تعاون في إبريل الماضي إحداهما تتعلق بالتعاون الدفاعي العام، والأخرى بحماية المعلومات السرية.

 

كما أن انسحاب فرنسا من منطقة الساحل خلف فراغًا واضحًا في البنية الأمنية الإقليمية وهو ما يحتم على البلدين المزيد من التعاون والتنسيق للتصدي للتهديدات الكثيرة المحتملة بالمنطقة القريبة من حدود بلديهما.