موازين القوى في السوق العالمي لخام الحديد (2)

 

 د. يربان الحسين الخراشي

 

المسيرة الصينية لانتزاع حق التسعير
خاضت صناعة الصلب الصينية غمار معركة شرسة لانتزاع سلطة التسعير الدولية، لكنها دفعت لقاء ذلك ثمناً باهظاً، فالمحاولات الأولية لتعزيز الموقف التفاوضي عبر الاستحواذ على مناجم دولية لم تصطدم فقط بعقبات جيوسياسية معقدة، بل أدت أيضاً إلى تكبد خسائر مالية فادحة. وعلى الجبهة الداخلية، لم تكن الإصلاحات الهيكلية الشاملة أقل إيلاماً، إذ شملت تقليصاً قسرياً للطاقة الإنتاجية الفائضة وتسريحاً جماعياً للعمالة، ومع ذلك، لم تؤتِ هذه الجهود ثمارها المرجوة في ظل بقاء الصين بلا صوت مؤثر في آلية التسعير  المادة الخام.
لقد أدركت بكين أن معضلتها تكمن في خضوع سوق خام الحديد لهيكل مُحكم، يربط بشكل عضوي بين المؤسسات التي تضع المؤشرات السعرية، والشركات الأربع الكبرى التي تسيطر على المبيعات، والبنوك التي تتولى التمويل. ومن هنا، أيقنت الصين أن كسر قيود التبعية لا يتأتى إلا بقلب الطاولة وتغيير قواعد اللعبة النقدية، وهو المسار الذي دشنته منذ عام 2018، وتوجته مطلع عام 2022 بإطلاق خطة حجر الزاوية الاستراتيجية، التي تستهدف إحداث تغيير هيكلي ملموس في مصادر المادة الخام خلال فترة تتراوح بين 10 إلى 15 عاماً، وذلك لمعالجة نقاط الضعف في سلسلة التوريد من جذورها عبر ثلاث محطات زمنية (2025، 2030، و2035) ، مما يعيد صياغة اللعبة عبر ثلاثة مسارات متوازية:

(1) بورصة داليان و السيطرة على ترمومتر الأسعار
مثّل فتح بورصة داليان أمام المستثمرين الأجانب وتدويل خام الحديد المسعر باليوان في 4 مايو 2018 المنعطف الأبرز في تاريخ البورصة، التي كانت قد وضعت حجر الأساس لهذا التحول بإطلاق عقود داليان الآجلة (DCE) في أكتوبر 2013. واليوم، تتربع هذه البورصة على عرش المنصات العالمية كأضخم سوق تعتمد نظام التسليم المادي الفعلي للسلع، وقد أثبتت داليان فاعليتها سريعاً، حيث أجبر هذا التحول المالي عمالقة التجارة مثل غلينكور(Glencoe) على دخول السوق الصينية للتحوط، مما حول البورصة من منصة محلية إلى أداة دولية رائدة لاستكشاف الأسعار، وتوجت مجموعة باوو هذا المسار بحلول عام 2024 بصفقات عابرة للحدود مسعرة بالكامل باليوان، و عند تحليل دور العملة الصينية في تجارة الحديد، يجب التمييز بدقة بين مفهومين، فالتسوية باليوان تعني مجرد قبول المورد (كأستراليا مثلاً) استلام قيمة الشحنات بالعملة الصينية. أما التسعير باليوان، فهو الجوهر الاستراتيجي، حيث تُحدد قيمة الصفقة بناءً على الأسعار المتشكلة في السوق الصيني ووفق مؤشراتها المحلية، وليس مجرد تحويل سعر "بلاتس" المقوم بالدولار إلى اليوان وفق سعر الصرف. إن التحول نحو التسعير باليوان يعني نقل سلطة القرار من عمالقة التعدين إلى الصين، مما يسمح للمجموعات الصناعية الصينية بتقديم أسعار شراء موحدة تعكس واقع السوق الفعلي، وهي الخطوة الأكثر حسماً في صراع السيادة السعرية. واليوم، يتجلى نفوذ البورصة في تجاوز حجم تداولها نظيره في البورصة السنغافورية بـحوالي 23 ضعفاً، معتمدةً آلية سعر العقود الآجلة + الفارق السعري المتفق عليه كمعيار للتسوية النهائية، وهو ما يقلص مساحات المضاربة غير العقلانية ويجسد توازن القوي بين العرض والطلب العالمي والاحتياجات الفعلية للصناعة الصينية.

(2) الغرب الإفريقي القطب الثالث الصاعد
لم تقف الصين عند حدود خلق سوق مالية ضخمة تضمن إنشاء سوق عالمية لخامات الحديد، بل رأت في الغرب الإفريقي وجهتها الاستراتيجية الأولى لكسر التبعية، حيث برزت المنطقة كبديل جيوسياسي حاسم لمنطقة بيلبارا (Pilbara)  في غرب أستراليا الأغنى بالحديد في العالم. وذلك نظراً لامتلاك دول المنطقة (غينيا، موريتانيا، ليبيريا، وسيراليون...) احتياطيات ضخمة تصل إلى 55 مليار طن (85% من احتياطي القارة)، ولم تكتفِ الصين برصد هذه الموارد، بل دخلت بقوة عبر استحواذ شركاتها على حصص في مناجم تمثل حوالي 70% من إجمالي الطاقة الإنتاجية المخطط لها في المستقبل والبالغة حوالي 190 مليون طن. ويأتي منجم سيماندو في غينيا ليمثل حجر الزاوية والسلاح الاستراتيجي الأقوى في هذه الخريطة الجديدة، فبفضل احتياطيات تصل إلى 5 مليارات طن ونقاء مذهل يبلغ 67%، واستثمارات صينية تجاوزت 20 مليار دولار ، دخل المنجم مرحلة الإنتاج الرسمي في  نوفمبر 2025 بعد اكتمال البنية التحتية من سكك حديدية وموانئ ، ومن المتوقع أن ترتفع طاقته الإنتاجية تدريجيا لتصل إلى 120 مليون طن سنوياً، وهو ما يمثل 5% من الإمدادات العالمية ونحو 10% من حجم استهلاك الصين السنوي الحالي،  مما ينهي حقبة الاحتكار الثنائي ويحول إفريقيا إلى القطب الثالث المهيمن عالمياً. 

(3) مجموعة موارد الصين و توحيد القبضة الشرائية 
إن السيطرة على المناجم في الخارج وتدويل العملة عبر البورصة لن يكن كافياً ما لم يتم علاج التشتت الداخلي للقوى الشرائية الصينية، فلكي تكتمل حلقة الهجوم المضاد، أدركت بكين ضرورة إنهاء حالة الفوضى التي كانت تعيشها 600 شركة صلب تخوض حروباً منفردة أمام عمالقة التعدين، حيث يُعد التشتت الحاد في صناعة الصلب الصينية عاملاً حاسماً في تجريد بكين من سلطة التسعير. ومن هذا المنطلق، أطلقت بكين هجومها الاستراتيجي بتأسيس مجموعة موارد الصين المحدودة (CMRG)  في يوليو 2022 برأس مال 20 مليار يوان. هذا الكيان السيادي، المملوك للدولة والمشرف عليه مباشرة من مجلس الدولة، لم يكن مجرد شركة تجارية، بل قوة ضاربة تهدف لتوحيد القوة الشرائية لنحو 70% من طلب البلاد وضمان أمن سلاسل التوريد عبر التحول الرقمي والتوجه نحو الصلب الأخضر، حيث تتمثل الوظيفة الجوهرية للمجموعة في دمج احتياطيات واحتياجات كبار منتجي الصلب الصينيين لخلق ميزة المشتري الوحيد، وبمجرد تأسيسها، بدأت المجموعة في توحيد عمليات الشراء وتشكيل تحالف سعري أنهى حقبة التشرذم، وعزز ثقل الصين في المفاوضات الدولية. ولم يلبث هذا الثقل أن تحول إلى أداة ضغط قوية، حيث وصلت هذه المواجهة إلى ذروتها في أكتوبر 2025، حين انتقلت المجموعة من التخطيط إلى المواجهة المفتوحة، حيث أقدمت على تعليق مشترياتها من عملاق التعدين بي إتش بي (BHP) رداً على مطالبتها بزيادة سعرية بنسبة 15%. هذا التحرك الموحد أجبر الشركة الأسترالية على الرضوخ والموافقة على تسوية 30% من معاملاتها الفورية باليوان (ما يعادل 10 مليارات دولار سنوياً) وبسعر يقترب من 82 دولاراً للطن، بدلاً من 109.5 دولارا ، وبذلك، انضم عمالقة العالم الثلاثة لهذا النظام، حيث رفعت فالي البرازيلية حصة تسوياتها باليوان إلى 28%، بينما فعلت ريو تينتو الشيء ذاته، بل وذهبت مجموعة آنستيل لأبعد من ذلك بإصدار اعتمادات إلكترونية باليوان، وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة التسوية باليوان قفزت من 5% سنة  2023 إلى أكثر من 25%  في منتصف 2025، مع توقعات بتجاوزها عتبة 40%  خلال العام الجاري 2026. وقد شهدت نهاية عام 2025 زلزالاً جديدا حين أعلنت شركتا ريو تينتو وفورتسكيو تخليهما عن مؤشر بلاتس في صفقاتهما الطويلة الأجل، حيث اختارت ريو تينتو الانتقال لمؤشر "Fastmarkets" كفترة تجريبية لشحنات يناير وفبراير 2026، بينما اعتمدت فورتسكيو متوسط مؤشر ماي ستيل الصيني ومؤشر أرغوس. هذا التحول يعني اعترافاً دولياً بالمؤشرات الصينية، وهو بداية لكسر حصرية المؤشرات التقليدية، محققاً رؤية الصين في الوصول إلى عدالة سعرية.

بهذه الأضلاع الثلاثة بورصة داليان كذراع مالي، وغرب أفريقيا كبديل جغرافي، ومجموعة موارد الصين كقوة شرائية موحدة تمكنت بكين من غلق الدائرة الاستراتيجية. ومع دخول عام 2026، لم تعد الصين مجرد مستهلك ضخم يرضخ لشروط الآخرين، بل تحولت إلى ضابط إيقاع يمتلك أخيراً السلاح الفعال لانتزاع حق التسعير، محولاً عقوداً من مرارة الخضوع إلى سيادة صناعية ونقدية راسخة تلوح اليوم في الأفق بوضوح. ومع بدء تدفق خامات سيماندو، وغيره من مناجم الغرب الإفريقي وكسر حصرية بيلبارا الأسترالية، لم يعد السؤال الملحّ هو: كيف ستؤمن الصين احتياجاتها؟ بل كيف سيتحول العالم إلى نظام تسعير أكثر عدالة وتعددية؟ وفي خضم هذا الزلزال الجيوسياسي، تبرز موريتانيا كلاعب استراتيجي لا يمكن تجاوزه، إذ أن موقعها الجغرافي المتميز على الأطلسي، واحتياطياتها الضخمة من خامات الحديد، وطموحاتها الهائلة في مجال الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، تضعها في قلب القطب الثالث الناشئ، لتكون أكثر من مجرد مورد للمادة الخام، بل شريكاً جوهرياً في صياغة مستقبل الصناعة الخضراء العالمية، وهو ما سنفصله في مقالنا القادم.

د.  يربان الحسين الخراشي